
ما هو العلاج لانقضاء العمر باطلاً
و شرح (ولا يدع أيّامه باطلاً)
كيف نعالج مشكلة انقضاء العمر باطلاً؟ هل تختلف قدراتنا عن المعجزات والكرامات؟ كيف نحوّل أعمالنا من حالة الأحاسيس إلى حالة العقلانيّة؟ ما معنى أنفاسكم في شهر رمضان تسبيح؟ ماذا لو دخل إمام الزمان إلى مجلسنا الآن؟ تقدّم هذه المحاضرة علاج انقضاء العمر باطلاً بالإجابة على هذه الأسئلة مؤكّدة على الفهم والشعور بالحاجة، والهمّة العالية لتحويل الحياة إلى حياة عقلانيّة لا حياة أحاسيس.
ما هو العلاج لانقضاء العمر باطلاً
12رحم الله بابا طاهر وواقعًا إن كان هناك كلامٌ في هذه الدنيا فإنّ هؤلاء هم الذين تكلّموا به، هؤلاء المعدودون، حافظ الشيرازي وبابا طاهر ومولانا وهؤلاء العرفاء في النهاية. وإن كنّا قد رأينا شيئًا فإنّا رأيناه منهم وقد سمعنا كلام الآخرين:
خوشا آنان كه الله يارشان بى *** هميشه قل هو الله كارشان بى يقول: هنيئًا لمن كان الله معينهم وشغلهم الدائم قل هو الله
يعني هم دائمًا مستغرقون في مقام التوحيد، عندما نقول {قل هو الله أحد}۱ فإنّنا ننحّي كلّ شيء غير الله جانبًا، الجار يتنحّى جانبًا، الشريك يتنحّى جانبًا ، البستاني يتنحّى جانبًا، الزوجة تتنحّى جانبًا، الولد يتنحّى جانبًا، الزوج يتنحّى جانبًا، الجميع يتنحَّوْن جانبًا ويبقى الله فقط. تصوّروا تصوّرًا واحدًا{ قل هو الله أحد}، يعني فقط هو الذي له البقاء في العالم والإنيّة والهويّة والتشخّص والأثر والسبب، حينها يرى الإنسان عجبًا، كم يغدو مرتاحًا! فليأتوا بعد ذلك وليشتموه فإنّه يضحك ويقول: قل ما تحبّ! لنرى هل ينتهي أم لا؟! فكأنّ هناك شريطًا يتكرّر ويخرج منه صوتٌ. وواقعًا هكذا يصبح الإنسان، فعندما كان السيّد جمال الدين الكلبايكاني رحمه الله يقول إنّ من لديه عرفان لديه خير الدنيا والأنس في الدنيا والآخرة ومن لا عرفان له فله شقاء الدنيا والآخرة أيًّا يكن، لقد كان قد وصل إلى هذا الأمر ولمسه، رغم كلّ آلامه وابتلاءاته والتي يعرفها الرفقاء وقد أوردها المرحوم العلامة في أحد كتبه٢، كان يقول هذا الكلام أن يا سيّد محمّد حسين من لا عرفان له فهو شقيٌّ في الدنيا والآخرة، كان يقرأ الصحيفة السجاديّة وهو ملقى على تخته وقد أُجريت له عمليّةٌ جراحيّة وازدادت ديونه وكان صاحب الدين يطرق كلّ يومٍ باب داره وكان قد حصل لابنه أمور، ورغم ذلك كان على السرير يقرأ دعاء الصحيفة السجاديّة ويبكي مستأنسًا مع إلهه.
أين نجد أمثال هؤلاء؟! واقعًا أين نجد أمثالهم؟! يقول يا سيّد محمد حسين من لا عرفان له لا دنيا له ولا آخرة، أنت تراني في هذه الحال، أنا مسرور، كان يضحك للجميع، تأتي زوجته إلى الغرفة العليا فتقول له شاكية: لا نمتلك كذا فيضحك ويقول ادعي أن نحصل عليه في النهاية فماذا نصنع؟ يأتي صاحب الدين فيطرق الباب فيقول له: إن شاء الله ندعو أن يحلّ الله أمرك هذا فيضحك في النهاية فهو لا يتأتّى منه شيء، أيمكنه أن يضرب بالمعول؟ نائم على السرير وبحالةٍ من المرض والإرهاق فهؤلاء هم هكذا يثبّتون حقيقة {قل هو الله} في قرارة أنفسهم، والله أيضًا يأتي وينقشها فيها بشكلٍ كاملٍ. هذه هي المسألة فقط.
- سورة التوحيد الآية ۱.
- معرفة المعاد، ج٩، ص: ٦۷: و كانت «الصحيفة السجّاديّة» أمامه باستمرار تعلو كتب مطالعته؛ و كان يلتذّ أيّما التذاذ بالمناجاة الخمسة عشر للإمام السجّاد عليه السلام، و لكثرة قراءته لها فقد حفظها عن ظهر قلب، و خاصّة المناجاة الثامنة «مناجاة المريدين» التي شغف بها.
و كان يطالع باستمرار في غرفة الاستقبال المتواضعة (البرّانيّ) الواقعة في الطابق العلويّ، على الرغم من صعوبة ذلك عليه، خاصّة في صيف النجف اللاهب. هذا و قد أحاطت به المحن و الشدائد من كلّ جهة، فابتلي في أواخر عمره بضعف القلب و مرض (البروستات)، فاضطرّ لإجراء عمليّة جراحيّة للبروستات ألزمته الفراش، و كان إدراره يُجمع عبر انبوب في كيس تحت سريره. و قد تراكمت عليه الديون، سواءً تلك التي اقترضها لتمشية اموره المعيشيّة أم ما كان يستقرضه للطلبة، و قد اضطرّ إلى رهن بيته بأربعمائة دينار عراقيّ لتغطية نفقات عمليّة جراحيّة لأحد أقاربه، و فوق ذلك كلّه فقد كان يواجه مشكلات داخليّة في البيت قد أرهقته.
و كنت أزوره مرّة أو مرّتين كلّ أسبوع، ولى معه بعض المحاورات و المحادثات و جئته ذات يوم فشاهدته راقدًا على ظهره في سريره، و قد ناهز التسعين من عمره، و هو يقرأ في صحيفته (السجّاديّة) الصغيرة، يذرف الدموع سخانًا، و هم منغمر في عالمٍ لا يوصف من السرور و البهجة و النشاط و اللذّة، كأنّه- لشدّة انسه بالله تعالى- لا يكاد يتّسع له جلده و يريد الطيران.
سلّمتُ عليه؛ فقال: اجلس! إنّ لك- يا فلان- علمًا بحالي (و أشار إلى جميع محنه، من المرض، و العمليّة الجراحيّة، و الوحدة، و اضطراب وضع البيت الداخليّ و حرارة الجوّ، و الديون الثقيلة، و مسألة رهن البيت، و غير ذلك).
فقلتُ: نعم!
فتبسّم بسمة دافئة، و التفتَ إليّ بوجهه قائلاً: أنا سعيد، سعيد. إنّ من ليس له عرفان، فلا دنيا له و لا آخرة!
