
لماذا يتحوّل طريق السالك إلى غاية و سد؟
لماذا يتحوّل طريق السالك إلى سدٍّ؟! ولماذا يتحوّل عنوان السلوك من كونه وسيلةً ومقدّمة إلى كونه هدفًا ونتيجة؟! ولماذا تتحوّل الحركات التحرّرية إلى حركات مستبدّة؟ كيف عانى الإمام الصادق عليه السلام من ظلم بني عمّه والإمام الرضا عليه السلام من ظلم أعمامه؟ تبيّن هذه المحاضرة أنّ أحد معاني بطلان العمر تحوّل الطريق إلى غاية وتحوّل عنوان السلوك إلى هدف والغفلة عن الحالة الأولى التي جاء من أجلها الإنسان إلى هذا الطريق وهي تربية النفس. ولذلك كان المرحوم العلاّمة يرى أنّ الخطوة الأولى للسلوك هي أن يرى الإنسان نفسه أقلّ من الجميع وأنّ الأقرب إليه هو الذي يرى نفسه كذلك.
لماذا يتحوّل طريق السالك إلى غاية و سد؟
5أنتم ترون أنّ هذه الحركة الإصلاحية تتبدّل إلى توقّف، فعندما تنتصر هذه الحركة تتحوّل أهدافها الأولى ونواياها السابقة مائة وثمانين درجة وتصبح عين ما كان يصنعه السابقون.
والأمر في البلدان الأخرى هو كذلك أيضًا، ففي البلدان التي كانت تحارب الاستعمار نلاحظ ذلك أيضًا، في الجزائر الأمر هو كذلك، في ليبيا هو كذلك، وفي البلدان الأفريقيّة هو كذلك وفي مصر هو كذلك، في كلّ هذه البلدان كانت هناك حركات بدأت ضدّ الاستبداد والظلم، ولكن عندما نطالع التاريخ نجد أنّها عندما تنتصر لا يمضي أيّام حتى نرى أنّ الناس والمسؤولين وبرنامج الحكومة وطريقة التفكير والإدارة والتدبير تتحوّل إلى حركة تختلف مائة وثمانين درجة وإلى نظامٍ استبداديّ، هي بنفسها تتحول إلى نظام اضطهاد، هي بنفسها تتحوّل إلى نظام...
لماذا ذلك؟ الذين درسوا هذا الأمر وعلماء اجتماع التاريخ درسوا غافلين عن أنّ ما يرونه في هذه الحركات والثورات هو الفعل الظاهر للناس في مقابل فعلٍ ظاهرٍ لطائفةٍ أخرى فهناك طائفةٌ مستبدّة وفريقٌ ظالمٌ، هؤلاء يحكمون فيأخذون أموال الناس وإمكاناتهم وثرواتهم واقتصادهم وقدراتهم إلى منافعهم الخاصّة وبواسطة قبح هذا الفعل وشناعته يحرّكون مشاعر جماعةٍ من الناس وعواطفهم ويحرّكونهم ضدّ هذه الأعمال ويصبح هذا الفعل في مقابل ذاك، ولكن ما إن تنجح هذه الحركة فإنّ هذه النفس التي لم تنجح بعد في امتحان هذه المشكلة ولم تؤدّ بعدُ اختبار هذه المرحلة تقع الآن للتوّ في بوتقة الاختبار. لقد كانت إلى الآن في حالة المواجهة، لقد كانت إلى الآن في حالة الحرب والقتال، لقد كانت إلى الآن في حالة الجهاد، لقد كانت إلى الآن في حالة رفع الظلم، لقد كانت في حالة الوصول إلى الهدف ولم تكن قد جرّبت بعد هذه الحالة الجديدة، لم تكن قد ذاقت بعد طعم الحكومة اللذيذ، ولم تكن قد أحسّت بحلاوة الرئاسة والجلوس على عرش الخلافة، كانت نيّتها الانتصار على الخصم والتغلّب على العدوّ، كانت في حالة حربٍ ومواجهة وفرار، ولم يكن قد وصل الزمان الذي تُختبر فيه وهل هي مثل هؤلاء أم غيرهم؟! ـ فقط تغيّر شكلك والحال أنّك مثلهم لا تختلف عنهم ـ لم يكن قد جاء زمانٌ كهذا بعد، فإذا جاء هكذا زمانٌ فإنّ هذه النفس التي لا توفّر أحدًا هل ستوفّرك؟! النفس لا تمازح أحدًا ولا تجامل أحدًا، الجميع مبتلون بالنفس ومتورّطون بها لكنّ الفرصة لا تسنح للجميع.
