
لماذا يتحوّل طريق السالك إلى غاية و سد؟
لماذا يتحوّل طريق السالك إلى سدٍّ؟! ولماذا يتحوّل عنوان السلوك من كونه وسيلةً ومقدّمة إلى كونه هدفًا ونتيجة؟! ولماذا تتحوّل الحركات التحرّرية إلى حركات مستبدّة؟ كيف عانى الإمام الصادق عليه السلام من ظلم بني عمّه والإمام الرضا عليه السلام من ظلم أعمامه؟ تبيّن هذه المحاضرة أنّ أحد معاني بطلان العمر تحوّل الطريق إلى غاية وتحوّل عنوان السلوك إلى هدف والغفلة عن الحالة الأولى التي جاء من أجلها الإنسان إلى هذا الطريق وهي تربية النفس. ولذلك كان المرحوم العلاّمة يرى أنّ الخطوة الأولى للسلوك هي أن يرى الإنسان نفسه أقلّ من الجميع وأنّ الأقرب إليه هو الذي يرى نفسه كذلك.
لماذا يتحوّل طريق السالك إلى غاية و سد؟
4تلك اللذة التي تشعر بها النفس في مقام استعلائها ورؤيتها لنفسها مستولية على المجتمع ورؤيتها نفسها رئيسةً على الجميع هي لذّةٌ لا تصل إليها ألف ألف ألف لذّةٍ من هذه اللذات المتعارفة عند سائر الناس. فإذن هذا ليس زهدًا، هذا ليس إعراضًا عن الدنيا، بل هو غرقٌ في الدنيا إلى الرأس ولكن بهذا الشكل، بشكلٍ دقيقٍ ورقيقٍ ولطيف.
لماذا تتحوّل الحركات التحرّريّة إلى مستبدّة؟
وهنا يُطرح أمرٌ وهو مطروحٌ قديمًا وخصوصًا في الدراسات الاجتماعيّة التاريخيّة، فما نلاحظه في التاريخ وما كتبه المؤرّخون والحوادث التاريخيّة المختلفة تؤيّد هذا الأمر وأنّ كلّ حركةٍ ثوريّةٍ وإصلاحيّةٍ وقعت إلى الآن في التاريخ، كلّ حركةٍ وفي أيّ زمان، في الأزمنة السابقة وفي البلدان المختلفة وفي المجالات المختلفة وفي القرون المتباعدة يمكن أن تكون بداية تلك الحركة وتلك النهضة ذات طابعٍ إصلاحيٍّ ويكون هناك نظامٌ فاسدٌ ضدّ الإنسانيّة، ضدّ البشر، فمن الطبيعيّ أن يجتمع الناس معًا لإبادته، للقضاء على الظلم والاستبداد فيتكاتفون ويحدثون حركةً وكثيرًا ما ينتصرون حيث رأينا ذلك في الكثير من الأحداث التاريخيّة.
ولكنّ الكلام هو في الدافع والنيّة والغاية لهذه الحركة الإصلاحيّة وحركة إحقاق الحقّ والقضاء على الظلم، فبعد الوصول إلى النتيجة لا تمضي أيّامٌ إلا وتتحوّل إلى حركةٍ مستبدّة وحركةٍ ظالمة وحركةٍ فاشلة. فهذه المسألة ثبتت على مرّ التاريخ وفي مختلف البلدان ومختلف المجالات وعند مختلف الناس فمثلاً في زمان بني العباس لاحظوا هذا الأمر، فبنو العباس جماعة كانوا قد ثاروا طلبًا للثأر لسيّد الشهداء وأهل البيت عليهم السلام وجمعوا الناس ضدّ بني أميّة وبني مروان، والشعارات التي رفعها أبو مسلم الخراساني من خراسان هذه وجمع بها الناس هي شعارات إحقاق الحقوق الفائتة لبني هاشم؛ لأنّ الشيعة كانوا كثرًا في ذلك الزمان، ففي مختلف الأماكن كان هناك شيعة في الريّ وقم وساوة وقزوين وخراسان ونيشابور وسبزوار، ففي هذه المناطق كان الجميع شيعةً غاية الأمر أنّهم كانوا تحت حكم بني مروان وكان حكّامهم من أهل السنّة وكانوا تحت الاضطهاد، فكانت شعاراتهم شعارات إحقاق الحقّ ورفع المظالم التي قام بها بنو أميّة وبنو مروان تجاه أهل بيت رسول الله وسائر الناس. ولكن تصوّروا عندما وصل هؤلاء واستلموا الخلافة وحصل لهم المراد وتربّعوا على أريكة الخلافة ـ والتي ينبغي أن تسمّى سلطنة ـ فإنّهم ابتلوا بما ابتلي به الذين من قبلهم من القبائح والجرائم الوقحة، من التضييق والسجن والتعذيب والقتل والنهب وكافة أنواع الفجائع بحيث يقول الشاعر ليت بني أمية وبني مروان قد بقوا، فقد بيّضتم وجوههم.۱
- وليتَ عَدْلَ بني العبَّاسِ في النَّارِ *** يا ليت جَوْرَ بني مروانَ دَامَ لنا
- وليتَ عَدْلَ بني العبَّاسِ في النَّارِ *** يا ليت جَوْرَ بني مروانَ دَامَ لنا
