انقطع الاتصال بالخادم. جارٍ إعادة المحاولة...

يتعذّر إنشاء الاتصال.

تم رفض الاتصال من قبل الخادم.

جارٍ التحميل...
00:00:00
صورة
إضافة للمفضلة

لماذا يتحوّل طريق السالك إلى غاية و سد؟

0
عنوان البصري
عنوان البصري

لماذا يتحوّل طريق السالك إلى سدٍّ؟! ولماذا يتحوّل عنوان السلوك من كونه وسيلةً ومقدّمة إلى كونه هدفًا ونتيجة؟! ولماذا تتحوّل الحركات التحرّرية إلى حركات مستبدّة؟ كيف عانى الإمام الصادق عليه السلام من ظلم بني عمّه والإمام الرضا عليه السلام من ظلم أعمامه؟ تبيّن هذه المحاضرة أنّ أحد معاني بطلان العمر تحوّل الطريق إلى غاية وتحوّل عنوان السلوك إلى هدف والغفلة عن الحالة الأولى التي جاء من أجلها الإنسان إلى هذا الطريق وهي تربية النفس. ولذلك كان المرحوم العلاّمة يرى أنّ الخطوة الأولى للسلوك هي أن يرى الإنسان نفسه أقلّ من الجميع وأنّ الأقرب إليه هو الذي يرى نفسه كذلك.

لماذا يتحوّل طريق السالك إلى غاية و سد؟

3
  • وهكذا كلّما ارتقى في السن نشأت عنده رغبات ودوافع مختلفة تناسب فهمه ودائرة إدراكه وتعلّقاته النفسيّة وظهور وبروز الملكات النفسيّة، فلم تعد الألعاب التي كانت تلهيه أيّام الطفولة مفيدةً له في سنّ الأربعين ولا يبالي بها أبدًا، وصارت هناك أمور أخرى تجذبه، ما يُشبعه هو أمور أخرى وما يؤمّن حاجاته هو أمور أخرى. وهكذا في السنوات الأعلى إلى أن يصل إلى حدٍّ يصبح لديه من الغرائز والصفات والملكات ما يجعله لا يبالي بما يهتم به عامّة الناس ويتعلّقون به فلا يعود يهمّه زخارف الدنيا وزينتها، وتصل النفس إلى مرتبةٍ لا ترغب إلا بالاستعلاء والتكبّر والرئاسة على الناس، يمكن لهذا الإنسان أن لا يعود مباليًا بالطعام، لا زهدًا، ولكنّه لا يشتهيه واقعًا، يمكن لهذا الإنسان أن لا يبالي بالأبينة والقصور، لا زهدًا ولكنّه واقعًا لا يبالي، يمكن أن لا يبالي بسائر الملذّات الدنيويّة؛ لأنّ نفسه أعلى من الشيطنة والفرعونيّة والاستعلاء والتكبّر والغرور.

  • عندما يأتي عمر ويغتصب خلافة أمير المؤمنين عليه السلام فإنّه يأكل أمام الناس الخبز والخلّ، وإذا جيء له بطعامٍ أو هديّةٍ يقول كيف يمكن أن أمدّ يدي إلى هكذا طعامٍ ولا يزال في ملكي من هو جائع؟! ـ لقد تكلّم بهذا الكلام أيضًا لا أنّه لم يتكلّم ـ يأكل الخبز والخلّ يشارك في الصلوات، يؤمّ الجماعة، ولكنّه في حالةٍ من الاستعلاء والتكبّر والفرعونيّة بحيث إنّ لذّة هذه الرئاسة وهذه الحكومة والخلافة على المسلمين تفوق بمليارات المرّات لذّة شابٍّ في العشرين من عمره مشغولٍ بالملذات الدنيويّة. ولو أُعطي كافّة هذه الملذّات لما تخلّى عن تلك الحكومة وتلك الخلافة وتلك الرئاسة لأنّ نفسه في هذا المقام تلتذّ لذّةً لا يمكن مقارنتها بسائر اللذات.

  • لأنّ اللذة والألم مقولتان مجرّدتان عن المادّة وهما أقرب إلى عالم المثال والتجرّد منهما إلى عالم المادة والطبع، فكميّة وكيفيّة هاتين المقولتين لا تقاسان وفق مقاييس المادّة والأمور الطبيعيّة، فالمسألة مسألة التذاذٍ والالتذاذ يرجع إلى النفس، لا إلى الأمور الماديّة. ونحن أيضًا نقول يا له من طعامٍ يتناوله فلان! كم هو زاهدٌ! كيف هي حاله مع الدنيا! ننظر فنجد أنّ طعامه مثلاً الخبز والجبن، الخبز والعنب، طعامه طعامٌ بسيط. أمّا فلان فلا ليس كذلك، هذا الطعام الذي يتناوله الآن على أيّ أساسٍ يتناوله وبأيّ دافع؟! نحن نرى هذا حتى في الموارد المتعارفة أحيانًا، فقد يُؤتى الإنسان بطعامٍ بجودةٍ عالية ولكن لا يشتهيه ويشتهي الخبز والجبن أكثر منه أولسنا نحن كذلك؟! فإذا جاء أحدٌ ونظر إلينا فهل يرانا زاهدين؟ أين الزهد منّا؟ لا نشتهي فلا نأكل، فمن كان محمومًا ووضعه الصحيّ غير مستقرّ لو جئته بأفضل طعامٍ فإنّه يزيد من حاله سوءًا، إنّه يريد كوبًا من الماء البارد فكوب واحد من الماء خيرٌ عنده من ألف طيرٍ، فهذا ليس أمرًا مهمًّا ليحتاج إلى زهد، كلا فعامّة الناس هم كذلك أيضًا.