
هدوء النفس واغتنام العمر
هل طول العمر شرط لتحصيل الكمال؟ هل يحرم الجاهل من الكمال؟ هل يحقّ لنا الحكم على الناس مع جهلنا بباطنهم؟ لماذا يشترط في الآمر بالمعروف معرفة الذين يأمرهم؟ هل يكفي الشعور بالتكليف للتصدّي لمعالجة مشكلات الناس؟ ما آثار استماعك لما يقول الناس عنك؟ هل كان العلامة يسمتع لما يقال عنه؟ لماذا يتحدّث الناس عنك؟ لماذا يرفض بعض الناس مهر السنّة وكلام السيّدة الزهراء خير للمرأة...؟ ما أهمّ عمل في شهر رجب؟ كم مرحلة للسير والسلوك عند العلاّمة الطهرانيّ (رض)؟ ما مراد العلاّمة الطهراني من قوله: الجميع هم سواد الجيش؟ تتعرّض المحاضرة لهذه الموضوعات في سياق شرح فقرة ولا يدع أيّامه باطلاً من حديث عنوان البصري.
هدوء النفس واغتنام العمر
2بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم محمّد
وعلى آله الطيّبين الطاهرين واللعنة على أعدائهم أجمعين
قال الإمام الصادق عليه السلام لعنوان: ولا يدع أيّامه باطلاً. فمن كان ذا هدف إلهيّ ويسير في طريق مراتب الكمال والمعرفة بالله، فهذا الإنسان لا يقضي أيّامه بالبطالة.
هل لطول عمر الإنسان وقصره تأثير في كماله؟
وطبعًا من البديهيّ جدًّا والواضح أنّه ما دام الله قد جعل وقت محدودًا للتكامل، وأنّ لكلّ إنسان في هذه الدنيا سجلاًّ خاصًّا به، فلبعضهم ثلاثون سنة، ولبعضهم أربعون، ولبعضهم ستّون، ولبعضهم سبعون، ولبعضهم عشرون، ولبعضهم أقلّ ولبعضهم أكثر، وقد تحدّثنا مع الرفقاء حول هذا الأمر سابقًا وأنّ الأمر ليس بالزيادة والنقصان، فمن جعلت له عشرون سنة، فإنّ مستوى تكامله هو على أساس هذه العشرين سنة، لا أن يتصوّر الإنسان أنّ من كان عمره ثمانين سنة فيمكنه أن يستفيد ويستفيض أكثر، وأنّ الأقلّ عمراً محروم من هذه النعمة، كلاّ. فمسألة تكامل الروح وتكامل النفس وسير الإنسان لها مراحل بعضها في هذه الدنيا وإن لم يتمكّن في الدنيا فسيتابع في عالم البرزخ، وهذا الأمر يختلف من إنسان إلى آخر، أي إنّ الله تعالى قد لاحظ هذا الأمر لمن جعل عمره خمسين سنة، ولمن جعل عمره ثلاثين سنة. فإذن من البديهيّ أنّ الإنسان لو قضى عمره بالبطالة فعليه أن لا يتوقّع أنّه هناك سيعوّض عن عمره الباطل، وعلينا أن نلتفت إلى ذلك جيّدًا.
هل يُعذر من يقضي عمره باطلاً وهو جاهل وغير ملتفت؟
يقول الله: هذا المقدار الذي قضيته من عمرك بالبطالة، وطبعًا البطالة مع الالتفات! فنحن الآن ملتفتون إلى هذا الأمر، ملتفتون إلى مآلنا، ملتفتون إلى مسيرنا، الذين لم يلتفتوا والعوام حسابهم مختلف، والله يعاملهم بما يناسب حالهم ويحاسبهم على أساس ذلك، ولكنّ الكلام هو في من التفت بأيّ نحو وبأيّ طريق، فهذا في النهاية يختلف حسابه، فمن وصل إليه الأمر يختلف حسابه، من تمّت عليه الحجّة الإلهيّة فالأمر بالنسبة إليه يختلف.
علينا أن لا نقول: هؤلاء الذين في الأزقّة والشوارع والأسواق هم أيضًا عباد للّه، فنقارن أنفسنا بهم، كلاّ، فإنّ كثيرًا منهم غير ملتفت، غير منتبه، لو نبّه هؤلاء الذين هم على ظاهر مثير أيضًا فيمكن أن يرجعوا، يمكن أن يستيقظ وجدانهم، وعلينا أن لا ننظر إليهم نظرة استحقار، فهذا غلط، ماذا ندري نحن عمّا يجري في بواطن هؤلاء؟! ماذا ندري نحن عن العلاقة التي بينهم وبين ربّهم؟! فربّما كانت بواطن هؤلاء أصفى من بواطننا، وقلوبهم أخلص من قلوبنا، وضمائرهم أكثر استعدادًا من ضمائرنا، نحن لا ندري. يمكن أن تكون ظواهرهم غير الملائمة مختلفة عن بواطنهم، وهي هكذا واقعًا. وهناك الكثير من القرائن والشواهد على ذلك، فكثير منهم بتنبيه يسير غيّروا منهجهم وغيّروا مسيرهم بالكامل. فهذا المقدار من عمرهم الذي قُضي بالبطالة والعبث واللغو لا يحسبه الله لهم، كما لو رُبّيَ إنسان مثلاً لثلاثين سنة في محيط ما أو وصلت إليه مبادئ وقواعد تخالف الفطرة ومبادئ الشرع ومبادئ السلوك. وأحيانًا عندما أتكلّم في بعض المجالس سواء مجالس خاصّة [أو عامّة] عندما أتحدّث بشيء من هذا الكلام يقول الحاضرون: نحن لم نسمع بهذا الكلام إلى الآن. لم نسمع به حتّى الآن، لو سمعنا به لعملنا، وهم يقولون ذلك صادقين. فما تقصير هذا الإنسان؟ أو أنّ محيطه التربويّ كان محيطًا بعيدًا عن هذه المسائل، أو أنّ الأمور التي وصلت إليه من الآخرين المدّعين أنّهم قادة الدين كانت خاطئة. فالذين يسمعون من الآخرين أمورًا خاطئة ويمشون في ذلك الاتّجاه مستندين إلى ذلك التصوّر، ثمّ يلتفتون إلى أنّ حقيقة الأمر غير ذلك... على كلّ حال، فالله تعالى ينظر إلى بواطن الناس.
