
أثر النية في حقانيّة الأعمال وبطلانها
كيف تؤثّر النوايا في بطلان العمل أو بقائه؟ وما معنى كون أمير المؤمنين ميزان الأعمال؟ وهل نحن نحاسَب ويطلب منّا أن تكون لنا نوايا رسول الله وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما وآلهما والرتبة التي كانوا عليها من الإخلاص؟ ما هو معيار بطلان العمل بالنسبة إلى الناس وبالنسبة إلى السالك؟ تجيب المحاضرة على هذه الأسئلة من خلال تفسير وتحليل بعض الآيات والأحاديث الشريفة والشواهد من السيرة والأحداث؟
أثر النية في حقانيّة الأعمال وبطلانها
2أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم محمّد
وعلى آله الطيّبين الطاهرين واللعنة على أعدائهم أجمعين
أثر النوايا في حقّانيّة الأعمال
يقول الإمام الصادق عليه السلام لعنوان: ولا يدع أيّامه باطلاً.
تقدّم الكلام حول معنى البطلان والحقيقة، ووصلنا إلى أنّ البطلان عبارة عن الأمر الذي لا يبقى في يد الإنسان، وليس له مقابل. فالعمل الذي يتعب فيه الإنسان في هذه الدنيا ولكن لا يبقى منه شيء في ذلك العالم هو الباطل. لقد سعى سعيًا ولكنّ سعيه كسعي حمار الطاحونة أو العصّارة الذي يدور من الصباح حتّى المساء حول حجر الطاحونة وهو يعتقد أنّه طوى مسافة طويلة، وفي الليل يرى أنّه لا يزال مكانه، وأنّ الآخرين كانوا يستفيدون من عمله، القمح يصبح طحينًا، ويستفيد الآخرون منه، ولكنّه كان يدور حتّى الليل حول نفسه. وهذا مثال جيّد جدًّا، وعلى الإنسان أن يلتفت إلى هذا الأمر دائمًا وأن لا يكون كهذا الحمار لا قدّر الله.
تقدّم أنّه يقول في الآية الشريفة:{ وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورًا}۱ فنحن في يوم القيامة نأتي بجميع الأعمال التي قام بها الإنسان ونجعلها أمامه، كلّ عمل قام به، الصلاة التي صلاّها، الصيام الذي صامه، المجالس التي أقامها، فإنّ المراد من هذه الآية إن كان الرفقاء يذكرون ليس هو الأعمال الظاهرة الحرمة؛ لأنّه لا معنى لأن يوزن الحرام الظاهر، ففي يوم القيامة تجعل تلك الأعمال غير المخالفة بظاهرها للشرع في الميزان، وإلاّ فإنّهم لا يجعلون السرقة في كفّة الميزان ـ وكفّة الميزان استعارة ـ أي في مقام الوزن والتقييم لا يحسب حساب للسرقة أصلاً فلا توزن ويؤخذ الخالص منها، وأنّه كم في هذا العمل من الصفاء؟! مثل الذهب الذي يقوم الصائغ بحكّه ليعرف مستوى الصفاء الذي فيه. ولكنّك لو أخذت الفولاذ إلى الصائغ وقلت له: افحصه بالمحكّ. فإنّه يلقيه جانبًا، فلا مكان هنا للفولاذ. خذ إليه مقدارًا من النحاس ليفحصه على المحكّ، يقول: النحاس لا يفحص بالمحكّ. الحديد والفولاذ لا يؤخذان إلى الصائغ أفهل أخذا يومًا إليه؟!
- سورة الفرقان، الآية ٢٣.
