
أثر النية في حقانيّة الأعمال وبطلانها
كيف تؤثّر النوايا في بطلان العمل أو بقائه؟ وما معنى كون أمير المؤمنين ميزان الأعمال؟ وهل نحن نحاسَب ويطلب منّا أن تكون لنا نوايا رسول الله وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما وآلهما والرتبة التي كانوا عليها من الإخلاص؟ ما هو معيار بطلان العمل بالنسبة إلى الناس وبالنسبة إلى السالك؟ تجيب المحاضرة على هذه الأسئلة من خلال تفسير وتحليل بعض الآيات والأحاديث الشريفة والشواهد من السيرة والأحداث؟
أثر النية في حقانيّة الأعمال وبطلانها
11الذي يقرأ كلام الإمام الصادق عليه السلام... ألم يوجد من هؤلاء الناس؟ وقد تحدّثنا عن بعضهم للرفقاء. هؤلاء الذين كانوا يتردّدون على المرحوم العلاّمة وكانوا على صلة به من أيّ الناس كانوا؟ لم يكونوا جميعهم من عديمي الاطّلاع، بل كان بعضهم من أهل الاطّلاع. ومن حيث العلاقات الاجتماعيّة كانوا على مستوى رفيع، ومن حيث الشخصيّة الاجتماعيّة كانوا في متسوى رفيع، كان الجميع يهتمّون بهم، الجميع يعرفونهم، ولكنّ الكلام هو في هذا وأنّه إلى جانب هذه العلوم والأمور التي يوفّق الله الإنسان إليها، إلى جانبها هناك ظاهرة أخرى وحادثة أخرى تدعى التعلّق بالكثرات والتعلّق بالنفس، فلو أنّ الإنسان في علاقته بهذا الأمر لم يلتفت بشكل موازٍ، فإنّ هذه العلوم والاستعدادات وهذه التجربة وهذه الأتعاب وهذه المساعي تكون في خدمة هذه الحادثة وهذه الظاهرة، وتمنع ذهن الإنسان ونفس الإنسان وضمير الإنسان من الوصول إلى الحقّ. ويا ليته لم يقم بذلك، ليته لم يسع إلى ذلك، ليت هذه الأمور لم تحصل له! ليت هذه الإمكانات لم تحصل له! لأنّها لو لم تحصل له لكان على الأقلّ وضع يده بيد خبير. والآن جاءت هذه الإمكانات وأوجدت لديه غطاء لا تتركه هذه الإمكانات والعلم والإدراك والشعور يتّصل بتلك النورانيّة الأساسيّة التي كانت له، لأنّ كلام الإمام الصادق عليه السلام نور، بيان الإمام الصادق عليه السلام نور، آيات القرآن نور، الأخلاق نور، الفلسفة نور، العرفان نور، كلّ ذلك نور. ولكنّ المدركات التي لم تصل بعد إلى مرتبته الملكوتيّة، تأتي في عالم المثال والبرزخ وتحبسه في ذلك الغطاء. هذا هو البطلان بالنسبة إليه.
ثمّ أين تظهر المشكلة لديه؟ عندما يكون هذا العلم بدلاً من إيصاله إلى الحقّ والنور والولاية والاستفادة من إرشادات وليّ الله وهدايته وبرامجه وأوامره، ولكنّ الله بسبب هذه المعلومات يصبح في الهامش، وبسبب هذه المعلومات ينقطع ارتباطه بالولاية وبهذه المعلومات... واقعًا عجيب، هناك رسالة من الإمام السجّاد عليه السلام إلى محمّد بن مسلم الزهريّ عجيبة جدًّا، عجيبة جدًّا. في تلك الرسالة يقول الإمام أنت رجل عالم، أنت إنسان بذلت جهودًا، الناس يحسبون لك حسابًا، الدولة والحكومة يحسبون لك حسابًا، فلماذا لا تستعمل علمك ومدركاتك هذه سلّمًا للوصول إلى الحقّ، أتستعملها في خدمة الخلفاء؟!۱ عجيب جدًّا. إلى أين يصل الإنسان. الطعام الذي يأكله بدلاً من أن يسدّ به الجوع يتحوّل بالنسبة إليه إلى سمّ. الهواء الذي يستنشقه لكي يوصل الأوكسجين إلى خلاياه يتبدّل إلى اختناق، ويلقيه في الاختناق. هذا هو واقع الأمر.
- تحف العقول، ص ٢۷٤: كتابه عليه السلام إلى محمد بن مسلم الزهري يعظه: كفانا الله وإياك من الفتن ورحمك من النار ، فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك بها أن يرحمك فقد أثقلتك نعم الله بما أصح من بدنك وأطال من عمرك وقامت عليك حجج الله بما حملك من كتابه وفقهك فيه من دينه وعرفك من سنة نبيّه محمّد صلّى الله عليه وآله ، فرضي لك في كلّ نعمة أنعم بها عليك وفي كلّ حجّة احتج بها عليك الفرض بما قضى . فما قضى إلا ابتلى شكرك في ذلك وأبدى فيه فضله عليك فقال "لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد" . فانظر أيّ رجل تكون غدا إذا وقفت بين يدي الله فسألك عن نعمه عليك كيف رعيتها وعن حججه عليك كيف قضيتها ولا تحسبن الله قابلا منك بالتعذير ولا راضيا منك بالتقصير ، هيهات هيهات ليس كذلك ، أخذ على العلماء في كتابه إذ قال : " لتبيننه للناس ولا تكتمونه ) " واعلم أن أدنى ما كتمت وأخف ما احتملت أن آنست وحشة الظالم وسهلت له طريق الغي بدنوك منه حين دنوت وإجابتك له حين دعيت ، فما أخوفني أن تكون تبوء بإثمك غدا مع الخونة ، وأن تسأل عما أخذت بإعانتك على ظلم الظلمة ، إنك أخذت ما ليس لك ممن أعطاك ودنوت ممن لم يرد على أحد حقا ولم ترد باطلا حين حين أدناك . وأحببت من حادّ الله أوليس بدعائه إياك حين دعاك جعلوك قطبا أداروا بك رحى مظالمهم وجسرا يعبرون عليك إلى بلاياهم وسلما إلى ضلالتهم ، داعيا إلى غيهم ، سالكا سبيلهم ، يدخلون بك الشك على العلماء ويقتادون بك قلوب الجهال إليهم ، فلم يبلغ أخص وزرائهم ولا أقوى أعوانهم إلا دون ما بلغت من إصلاح فسادهم واختلاف الخاصة والعامة إليهم . فما أقل ما أعطوك في قدر ما أخذوا منك . وما أيسر ما عمروا لك ، فكيف ما خربوا عليك . فانظر لنفسك فإنه لا ينظر لها غيرك وحاسبها حساب رجل مسؤول . وانظر كيف شكرك لمن غذاك بنعمه صغيرًا وكبيرًا . فما أخوفني أن تكون كما قال الله في كتابه : " فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا " إنك لست في دار مقام . أنت في دار قد آذنت برحيل ، فما بقاء المرء بعد قرنائه . طوبى لمن كان في الدنيا على وجل ، يا بؤس لمن يموت وتبقى ذنوبه من بعده .
احذر فقد نبئت . بادر فقد أجلت . إنك تعامل من لا يجهل . وإن الذي يحفظ عليك لا يغفل . تجهز فقد دنا منك سفر بعيد وداو ذنبك فقد دخله سقم شديد . ولا تحسب أني أردت توبيخك وتعنيفك وتعييرك ، لكني أردت أن ينعش الله ما [ قد ] فات من رأيك ويرد إليك ما عزب من دينك وذكرت قول الله تعالى في كتابه : " وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين " . أغفلت ذكر من مضى من أسنانك وأقرانك وبقيت بعدهم كقرن أعضب . أنظر هل ابتلوا بمثل ما ابتليت ، أم هل وقعوا في مثل ما وقعت فيه ، أم هل تراهم ذكرت خيرا أهملوه وعلمت شيئا جهلوه ، بل حظيت بما حل من حالك في صدور العامة وكلفهم بك ، إذ صاروا يقتدون برأيك ويعملون بأمرك . إن أحللت أحلوا وإن حرمت حرموا وليس ذلك عندك ولكن أظهرهم عليك رغبتهم فيما لديك ، ذهاب علمائهم وغلبة الجهل عليك وعليهم وحب الرئاسة وطلب الدنيا منك ومنهم أما ترى ما أنت فيه من الجهل والغرة وما الناس فيه من البلاء والفتنة ، قد ابتليتهم وفتنتهم بالشغل عن مكاسبهم مما رأوا ، فتاقت نفوسهم إلى أن يبلغوا من العلم ما بلغت، أو يدركوا به مثل الذي أدركت ، فوقعوا منك في بحر لا يدرك عمقه وفي بلاء لا يقدر قدره . فالله لنا ولك وهو المستعان . أما بعد فأعرض عن كل ما أنت فيه حتى تلحق بالصالحين الذين دفنوا في أسمالهم ، لاصقة بطونهم بظهورهم ، ليس بينهم وبين الله حجاب ولا تفتنهم الدنيا ولا يفتنون بها ، رغبوا فطلبوا فما لبثوا أن لحقوا . فإذا كانت الدنيا تبلغ من مثلك هذا المبلغ مع كبر سنك ورسوخ علمك وحضور أجلك ، فكيف يسلم الحدث في سنه ، الجاهل في علمه المأفون في رأيه ، المدخول في عقله . إنا لله وإنا إليه راجعون . على من المعول ؟ وعند من المستعتب ؟ نشكو إلى الله بثنا وما نرى فيك ونحتسب عند الله مصيبتنا بك . فانظر كيف شكرك لمن غذاك بنعمه صغيرًا وكبيرًا ، وكيف إعظامك لمن جعلك بدينه في الناس جميلاً ، وكيف صيانتك لكسوة من جعلك بكسوته في الناس ستيرًا ، وكيف قربك أو بعدك ممن أمرك أن تكون منه قريبًا ذليلاً . مالك لا تنتبه من نعستك وتستقيل من عثرتك فتقول . والله ما قمت لله مقامًا واحدًا أحييت به له دينًا أو أمتّ له فيه باطلاً ، فهذا شكرك من استحملك. ما أخوفني أن تكون كمن قال الله تعالى في كتابه : " أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيًّا " استحملك كتابه واستودعك علمه فأضعتها، فنحمد الله الذي عافانا مما ابتلاك به والسلام .
- تحف العقول، ص ٢۷٤: كتابه عليه السلام إلى محمد بن مسلم الزهري يعظه: كفانا الله وإياك من الفتن ورحمك من النار ، فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك بها أن يرحمك فقد أثقلتك نعم الله بما أصح من بدنك وأطال من عمرك وقامت عليك حجج الله بما حملك من كتابه وفقهك فيه من دينه وعرفك من سنة نبيّه محمّد صلّى الله عليه وآله ، فرضي لك في كلّ نعمة أنعم بها عليك وفي كلّ حجّة احتج بها عليك الفرض بما قضى . فما قضى إلا ابتلى شكرك في ذلك وأبدى فيه فضله عليك فقال "لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد" . فانظر أيّ رجل تكون غدا إذا وقفت بين يدي الله فسألك عن نعمه عليك كيف رعيتها وعن حججه عليك كيف قضيتها ولا تحسبن الله قابلا منك بالتعذير ولا راضيا منك بالتقصير ، هيهات هيهات ليس كذلك ، أخذ على العلماء في كتابه إذ قال : " لتبيننه للناس ولا تكتمونه ) " واعلم أن أدنى ما كتمت وأخف ما احتملت أن آنست وحشة الظالم وسهلت له طريق الغي بدنوك منه حين دنوت وإجابتك له حين دعيت ، فما أخوفني أن تكون تبوء بإثمك غدا مع الخونة ، وأن تسأل عما أخذت بإعانتك على ظلم الظلمة ، إنك أخذت ما ليس لك ممن أعطاك ودنوت ممن لم يرد على أحد حقا ولم ترد باطلا حين حين أدناك . وأحببت من حادّ الله أوليس بدعائه إياك حين دعاك جعلوك قطبا أداروا بك رحى مظالمهم وجسرا يعبرون عليك إلى بلاياهم وسلما إلى ضلالتهم ، داعيا إلى غيهم ، سالكا سبيلهم ، يدخلون بك الشك على العلماء ويقتادون بك قلوب الجهال إليهم ، فلم يبلغ أخص وزرائهم ولا أقوى أعوانهم إلا دون ما بلغت من إصلاح فسادهم واختلاف الخاصة والعامة إليهم . فما أقل ما أعطوك في قدر ما أخذوا منك . وما أيسر ما عمروا لك ، فكيف ما خربوا عليك . فانظر لنفسك فإنه لا ينظر لها غيرك وحاسبها حساب رجل مسؤول . وانظر كيف شكرك لمن غذاك بنعمه صغيرًا وكبيرًا . فما أخوفني أن تكون كما قال الله في كتابه : " فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا " إنك لست في دار مقام . أنت في دار قد آذنت برحيل ، فما بقاء المرء بعد قرنائه . طوبى لمن كان في الدنيا على وجل ، يا بؤس لمن يموت وتبقى ذنوبه من بعده .
