
المحور الثابت والمظاهر المتغيّرة
من هم الأخسرون أعمالاً الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنًعا؟ وما معنى من يعش عن ذكر الرحمن نقيّض له شيطانًا فهو له قرين؟ ماذا يحصل حتّى يحسب الإنسان أنّه يحسن صنعًا؟ كيف نحفظ أنفسنا من الدخول في هذه المهلكة؟ تجيب هذه المحاضرة عن هذه الأسئلة من خلال تفسير الآيات وشرح الأحاديث المرتبطة بذلك. وتؤكّد على دور التعقّل والتفكّر في حفظ النفس، وتكشف عن قانون سلوكيّ وفكريّ أساسيّ وهو التمييز بين المحور الثابت وبين المظاهر والأدوات المتغيّرة، وتمثّل لذلك بمجموعة من الأمثلة.
المحور الثابت والمظاهر المتغيّرة
8فإذن لم يأت الشيطان أوّلاً كما يقولون: خدعنا الشيطان لنفعل هذا الفعل! لقد فعلوه هم بأنفسهم عبثًا! ولم يخدعهم الشيطان، الشيطان المسكين لم يفعل أمرًا كهذا، من خدع؟! أنت ذهبت وخُدعت، من الذي قال إنّ الشيطان خدعنا؟ ما هذا الكلام؟ نريد أن نلصق ضعفنا بالشيطان، لا دور للشيطان في هذا الأمر. عندما يرى الشيطان أنّ هذا المحترم صار بواسطة الغفلة مستعدًّا لأن أنفذ يقول: أنا أدخل الآن، الآن أنا آتي وأخطّط له، الآن أنا آتي وأهدي تفكيره في ذلك الطريق الذي يوصله إلى المقصود خير إيصال. {فهو له قرين} سيكون قرينًا ولن يجلس عاطلاً عن العمل. يقال إنّ الرفيق هو من يبيّن للإنسان دائمًا مصالحه وينبّهه ويبيّن له الأمور التي هي لصالحه. فإذا جاء هذا الشيطان المحترم وصار قرينًا فإنّه يبيّن له كلّ ما هو في صالحه الواحد تلو الآخر. اذهب من هذا الطريق، لا تذهب من ذاك، اشتمه، اكذب عليه، خادعه، عده وعدًا كاذبًا، اصنع به هناك كذا، لا تخبره بسجلّه، اصنع بهذا السجلّ كذا، أفسد بين هذا وذاك، يأتي ويقول كلّ ذلك. لماذا؟ يقول أريد أن أؤدّي حقّ الصداقة معك! يقول: هذا ليس كذبًا أو ما يشبهه، الكذب الذي تكذبه كذب لمصلحة، لا إشكال فيه، أنت صاحب هدف مقدّس، أنت تريد أن تفعل هذا العمل.
جاؤوا إلى أمير المؤمنين عليه السلام وقالوا: دع معاوية الآن في منصبه حتّى تستقرّ دعائم حكومتك، وبعد ذلك تعزله، فقال لا يمكنني أن أرى للحظة واحدة واليًا يرتكب المخالفات.۱ ألم يكن أمير المؤمنين يعرف أساليب الخداع؟ يقول في كلام له: والله ما معاوية بأدهى منّي، ولكنّه يغدر٢. يخادع وأنا لست من أهل الخداع. إنّه ليس أذكى منّي، إنّه من أهل الخداع إنّه يتوسّل بأيّ وسيلة ليصل إلى الحكومة. لا فرق عنده بين الصدق والكذب، والحق والباطل عنده سواء. المهمّ هو ما يوصله، إن كان حقًّا فبها، وإن كان باطل فبها لا فرق لديه.
يقول أمير المؤمنين عليه السلام أنا لا يمكنني أن أرى لحظة واحدة على رأس الحكومة إنسانًا يرتكب المخالفات، هذا سبيلي، إن لم يرض به أهل السياسة فشأنهم، إن لم يرض به أهل الدنيا فشأنهم. لا علاقة لي بذلك.
- نهج السعادة، المحمودي، ج۱، ص ٢٢٦: أن المغيرة بن شعبة جاء إلى علي بن أبي طالب عليه السلام ، فقال له : أكتب إلى معاوية فوله الشام، ومره بأخذ البيعة لك ، فإنك إن لم تفعل وأردت عزله حاربك . فقال علي عليه السلام : " ما كنت متخذ المضلين عضدا " . فانصرف المغيرة وتركه ، فلما كان من غد جاءه فقال : إني فكرت فيما أشرت به عليك أمس فوجدته خطأ ، ووجدت رأيك أصوب . فقال له علي : لم يخف علي ما أردت ، قد نصحتني في الأولى ، وغششتني في الآخرة ، ولكني والله لا آتي أمرًا أجد فيه فسادا لديني طلبا لصلاح دنياي .
وفي مصباح البلاغة للميرجهاني، ج٣، ص ۱٤٦: فأتاني أعور ثقيف * فأشار علي أن أوليه البلاد التي هو بها لأداريه بما أولّيه منها في الذي أشار به الرأي في أمر الدنيا لو وجدت عند الله عز وجل في توليته لي مخرجًا وأصبت لنفسي في ذلك عذرًا، فأعملت الرأي في ذلك وشاورت من أثق بنصيحته لله عز وجل ولرسوله ولي وللمؤمنين، فكان رأيه في ابن آكلة الأكباد كرأيي ينهاني عن توليته ويحذّرني أن أدخل في أمر المسلمين يده ولم يكن الله ليراني أتخذ المضلين عضدًا.
*إشارة إلى المغيرة بن شعبة الثقفي. - نهجح البلاغة، ج٢، ص ۱۸۰: ومن كلام له عليه السلام والله ما معاوية بأدهى مني ولكنه يغدر ويفجر . ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس ، ولكن كل غدرة فجرة ، وكل فجرة كفرة . ولكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة . والله ما أستغفل بالمكيدة ، ولا أستغمز بالشديدة. [أي لا أستضعف بالقوة الشديدة] (م).
- نهج السعادة، المحمودي، ج۱، ص ٢٢٦: أن المغيرة بن شعبة جاء إلى علي بن أبي طالب عليه السلام ، فقال له : أكتب إلى معاوية فوله الشام، ومره بأخذ البيعة لك ، فإنك إن لم تفعل وأردت عزله حاربك . فقال علي عليه السلام : " ما كنت متخذ المضلين عضدا " . فانصرف المغيرة وتركه ، فلما كان من غد جاءه فقال : إني فكرت فيما أشرت به عليك أمس فوجدته خطأ ، ووجدت رأيك أصوب . فقال له علي : لم يخف علي ما أردت ، قد نصحتني في الأولى ، وغششتني في الآخرة ، ولكني والله لا آتي أمرًا أجد فيه فسادا لديني طلبا لصلاح دنياي .
