
المحور الثابت والمظاهر المتغيّرة
من هم الأخسرون أعمالاً الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنًعا؟ وما معنى من يعش عن ذكر الرحمن نقيّض له شيطانًا فهو له قرين؟ ماذا يحصل حتّى يحسب الإنسان أنّه يحسن صنعًا؟ كيف نحفظ أنفسنا من الدخول في هذه المهلكة؟ تجيب هذه المحاضرة عن هذه الأسئلة من خلال تفسير الآيات وشرح الأحاديث المرتبطة بذلك. وتؤكّد على دور التعقّل والتفكّر في حفظ النفس، وتكشف عن قانون سلوكيّ وفكريّ أساسيّ وهو التمييز بين المحور الثابت وبين المظاهر والأدوات المتغيّرة، وتمثّل لذلك بمجموعة من الأمثلة.
المحور الثابت والمظاهر المتغيّرة
7معنى ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانًا
هناك آية شريفة أخرى في القرآن توضّح هذه الآية:{ وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ* وَ إِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ* حَتَّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ* وَ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ}۱ وإنّها لآية عجيبة جدًّا وتستحقّ الالتفات إليها تقول: من يغفل عن ذكر الله، يعشُ يعني يغفل يمتنع... نحن ماذا نتصوّر؟ نقول: تلك الغفلة التي ارتكبناها قد حصلت بواسطة الشيطان، فالشيطان جاء فسبّب لنا الغفلة، ولكنّ الآية لا تقول ذلك، تقول الآية عكس ذلك تمامًا. تقول: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} فأوّلاً تأتي الغفلة من ناحيتنا ثمّ يأتي الشيطان فيقوّيها ويعدّ لنفسه موضعًا عندنا. لا يقول: نقيّض شيطانًا للإنسان وهو يعشو عن ذكرنا، يأتي الشيطان ثمّ تحصل الغفلة. كلاّ أوّلاً تحصل الغفلة لنا. ما معنى ذكر الرحمن؟ ليس بمعنى التلفّظ بالأذكار، كلاّ. بل تذكّر الله وجعله في البال، جعل الله هو الوحيد الذي يلاحظ وتهميش كلّ ما سوى الله من الكثرات، هذا المعنى هو معنى ذكر الرحمن وذكر الله.
من يغفل عن ذكر الرحمن فهل ننظر إليه هكذا؟! كلاّ، بل بما أنّك غفلت، فإنّا نأتيك بشيطان ونجعله إلى جانبك حتّى لا تبقى وحيدًا! بما أنّه ينبغي أن لا تسير وحدك، فاذهب برفقة الشيطان، فلتسيرا معًا، فالوحدة ليست جيّدة! يقال إنّ السفر وحيدًا مكروه، نأتي بشيطان فنجعله إلى جانبك، نقيّض له شيطانًا، نختار له شيطانًا ونجعله إلى جانبه فهو له قرين يصبح له ملازمًا، الشيطان الذي نجعله هو محبّ إلى درجة، وعطوف إلى درجة بحيث لا يبتعد عنك حتّى مترين اثنين، بل يأتي ويلتصق بك. هل رأيتم هناك بعض الأعشاب تلتصق بنباتات الحديقة وتتّحد معها، فإذا أراد الإنسان أن يقتلعها تقتلع معها الورقة، فهي تصبح جزءًا من تلك الورقة، جزءًا من ذلك الساق، ثمّ بعد مدّة تقضي علها، ترى أنّ تلك النبتة قد اصفرّت بعد مدّة، ونبتة العشقة٢ المعروفة يشير اسمها إلى هذا باللغة العربيّة، فالعشقة هي تلك النبتة التي تنبت بنفسها ثمّ تلتصق بنبتة أخرى أيّ نبتة تجدها، ثمّ تجعل نفسها جزءًا من تلك النبتة بحيث لا يمكن أن تفصل عنها، وأحيانًا يجب أن تقتلع النبتة الأخرى، لأنّها تسري، وتسري بسرعة أيضًا. فهذا الشيطان الذي يقيّضه الله يسبقنا جميعًا في عالم الصداقة. يقول: أنا آتي وأصبح رفيقًا لك ولكنّي لست رفيقًا إلى نصف الطريق. لست بالرفيق الذي يأتي من بعدك، لست بالرفيق الذي يبتعد عنك خمسة أمتار، بل آتي وألتصق بك بحيث لا يمكن أن أنفصل عنك، تصبح بين هذا الإنسان والشيطان الذي قيّضه الله وحدة.
- سورة الزخرف، الآيات: ٣٩، ٣۸، ٣۷، ٣٦
- في لسان العرب، ج۱۰، ص ٢٥٢: و سمي العاشِقُ عاشِقاً لأَنه يَذْبُلُ من شدة الهوى كما تَذْبُل العَشَقَةُ إِذا قطعت، و العَشَقَةُ: شجرة تَخْضَرُّ ثم تَدِقُّ و تَصْفَرُّ؛ عن الزجاج، و زعم أَن اشتقاق العاشق منه، عن الزجاج... و قال كراع: هي عند المُوَلَّدين اللَّبْلابُ، و جمعها العَشَق.
واللبلاب نوع من النباتات التي تمتدّ على الأشجار أو الجدران. (م)
