
المحور الثابت والمظاهر المتغيّرة
من هم الأخسرون أعمالاً الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنًعا؟ وما معنى من يعش عن ذكر الرحمن نقيّض له شيطانًا فهو له قرين؟ ماذا يحصل حتّى يحسب الإنسان أنّه يحسن صنعًا؟ كيف نحفظ أنفسنا من الدخول في هذه المهلكة؟ تجيب هذه المحاضرة عن هذه الأسئلة من خلال تفسير الآيات وشرح الأحاديث المرتبطة بذلك. وتؤكّد على دور التعقّل والتفكّر في حفظ النفس، وتكشف عن قانون سلوكيّ وفكريّ أساسيّ وهو التمييز بين المحور الثابت وبين المظاهر والأدوات المتغيّرة، وتمثّل لذلك بمجموعة من الأمثلة.
المحور الثابت والمظاهر المتغيّرة
10{وإنّهم ليصدّونهم عن السبيل ويحسبون أنّهم مهتدون}. هنا يحسبون أنّ طريقهم صحيح. هذا العمل الذي نقوم به هو لأجل الله، هذا العمل الذي نقوم به هو كذا. هذا العمل الذي نقوم به في النهاية فيه هذه الأمور وهذه النوايا ورضا الله. حسنًا فإلى متى هذه القضيّة تستمرّ؟{ حتّى إذا جاءنا}. إلى أن ينتهي عمر هذا المسكين الشقيّ ويغلق سجلّه. الآن تفضّل إلينا، ليأت هؤلاء الذين روّجوا لك، ليأت هؤلاء الذين بذلوا الجهود من أجلك، فليأتوا إلى قبرك، فليأتوا ولينظروا ماذا حلّ بك؟ {حتّى إذا جاءنا قال يا ليت بيني...} فجأة يفتح عينه ولا معنى هناك للحسبان والظنّ والخيال، فهناك عقل، هناك نور. هناك يكشف الغطاء عن هذه العين فترى الواقع. إذا أراد الإنسان أن يفارق الدنيا ففي لحظة الاحتضار تلك تنكشف له الحقيقة، سواء كان مؤمنًا أو كافرًا. لا حاجة إلى القبر ومنكر ونكير. منذ تلك اللحظة، عندما تريد أن تخرج هذه الروح من التعلّقات المادّية وتقع عينها على عالم الواقع، عالم الملائكة، عالم الحساب والكتاب، وعالم الأمر والنهي، [هناك يقول:] عجيب ماذا حصل؟ لقد كنت أظنّ إلى الآن أنّ الأمر هكذا. فيبدأ بالصراخ ـ لدينا في الرواية ـ يا من أتلفت حياتي وقضيت عمري باطلاً لأجل دنياهم تعالوا وأدركوني۱. هذا في حال الاحتضار! تعالوا وأدركوني. وهم يسيرون في الغرفة في طريقهم، هذا يكتب إعلانًا للنعي، وذاك يقول لندعو ذلك الخطيب. وذاك يقول: فلنذهب ونشترِ التمر والحلوى٢، ولا أحد يسمع صوته، وهم مشغولون بأفكارهم، وذاك يقول: لنأت بلافتة ونعلّقها: رحيل كذا... وفاة جناب كذا وكذا و... وذاك يقول لنقم المجالس. هو يصرخ ويستغيث: أنا مشغول بمصيبة أخرى. ولكنّهم أصلاً لا يسمعون صوته ـ وإلاّ فهو يرى وهو ملتفت ـ وكأنّ شيئًا لم يكن، كلّ في عمله وحياته ومكانته. هذا الميّت يصرخ ويستغيث وذاك يفكّر في وجاهته وكيف يجب أن يكون المجلس على أبّهة ووقار؟ كيف نقيم مجلس العزاء بتكريم وتأبين ظاهرين؟ كيف نقيم مجلس الفاتحة بحيث يحفظ كرامة العائلة؟ نعم! هذا هو في النهاية.
- بحار الأنوار ج٦، ص ۱٦۱: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : فوالذي نفس محمد بيده لو يرون مكانه و يسمعون كلامه لذهلوا عن ميتهم ولبكوا على نفوسهم ، حتى إذا حمل الميت على نعشه رفرف روحه فوق النعش ، وهو ينادي : يا أهلي ويا ولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي فجمعت المال من حله وغير حله ، ثم خلفته لغيري فالمهنأ له والتبعة علي ، فاحذروا مثل ما حل بي .
وفي نهج البلاغة ج۱، ص ٢۱٢: اجتمعت عليهم سكرة الموت وحسرة الفوت ، ففترت لها أطرافهم ، و تغيرت لها ألوانهم ، ثم ازداد الموت فيهم ولوجا فحيل بين أحدهم وبين منطقه ، وإنه لبين أهله ينظر ببصره ويسمع باذنه على صحة من عقله وبقاء من لبه ، ويفكر فيم أفنى عمره ؟ وفيم أذهب دهره ؟ ويتذكر أموالا جمعها أغمض في مطالبها ، وأخذها من مصرحاتها ومشتبهاتها ، قد لزمته تبعات جمعها ، وأشرف على فراقها، تبقى لمن وراءه ينعمون بها فيكون المهنأ لغيره ، والعبء على ظهره ، والمرء قد غلقت رهونه بها ، يعض يده ندامة على ما أصحر له عند الموت من أمره ، ويزهد فيما كان يرغب فيه أيام عمره ، ويتمنى أن الذي كان يغبطه بها ويحسده عليها قد حازها دونه ، فلم يزل الموت يبالغ في جسده حتى خالط سمعه ، فصار بين أهله لا ينطق بلسانه ولا يسمع بسمعه ، يردد طرفه بالنظر في وجوههم ، يرى حركات ألسنتهم ولا يسمع رجع كلامهم... - من العادات المتداولة في المآتم في إيران توزيع التمر ونوع من الحلاوة مصنوع من الطحين والسمن والسكّر. (م)
- بحار الأنوار ج٦، ص ۱٦۱: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : فوالذي نفس محمد بيده لو يرون مكانه و يسمعون كلامه لذهلوا عن ميتهم ولبكوا على نفوسهم ، حتى إذا حمل الميت على نعشه رفرف روحه فوق النعش ، وهو ينادي : يا أهلي ويا ولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي فجمعت المال من حله وغير حله ، ثم خلفته لغيري فالمهنأ له والتبعة علي ، فاحذروا مثل ما حل بي .
