
المحور الثابت والمظاهر المتغيّرة
من هم الأخسرون أعمالاً الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنًعا؟ وما معنى من يعش عن ذكر الرحمن نقيّض له شيطانًا فهو له قرين؟ ماذا يحصل حتّى يحسب الإنسان أنّه يحسن صنعًا؟ كيف نحفظ أنفسنا من الدخول في هذه المهلكة؟ تجيب هذه المحاضرة عن هذه الأسئلة من خلال تفسير الآيات وشرح الأحاديث المرتبطة بذلك. وتؤكّد على دور التعقّل والتفكّر في حفظ النفس، وتكشف عن قانون سلوكيّ وفكريّ أساسيّ وهو التمييز بين المحور الثابت وبين المظاهر والأدوات المتغيّرة، وتمثّل لذلك بمجموعة من الأمثلة.
المحور الثابت والمظاهر المتغيّرة
6إنّه لا يقول وهم يفكّرون وهم يعتقدون. فيحسبون يعني يتخيّلون، يتصوّرون، يظنّون ذلك. فعنوان الحسبان هنا ناظر إلى هذا الأمر وأنّهم لا يعتقدون، فالعلل والعومل الظاهريّة قد أوجدت حجابًا تخيّليًّا وتصوّريًّا لذهنهم، وهم يرون أنّهم يعملون عملاً موافقًا لرضا الله. ولكن ليس هذا العمل عن تفكير.
الفكر والتعقّل طريق إلى الواقع، وطريق إلى الباطن، التعقّل لا يمكن أن يوصل الإنسان إلى خلاف الباطن، التفكّر لا يمكن أن يوصل الإنسان إلى خلاف رضا الله. ما يسبّب أن يعتقد الإنسان أنّه مستقيم وهو في طريق الانحراف، هو عبارة عن سلسلة من الأمور المجازيّة وغير الواقعيّة والمخادعة والمخالفة للواقع، وهذه السلسلة من الأمور تدخل الإنسان في غطاء من التوهّم والتخيّل هما علّة أساسيّة لإرضاء التلذّذات النفسيّة: لو لم أكن أنا فلا يمكن لأحد أن يقوم بهذا العمل! انظروا هذا تخيّل. إن لم آت سيكون الأمر أسوأ! هذا تخيّل! كلّه أنا...! لو لم أقدم أنا فمن كان سيرفع هذا الحمل؟! لو لم أقم أنا بهذا العمل فمن يمكنه أن يدافع عن المظلوم ويحقّ الحقّ؟ وكأنّه ليس للسماء إلاّ رجل واحد قدّمته إلى هذه الدنيا وأرسلته إلى الأرض وهو جناب هذه "الأنا" هذه الأنا موجودة عند الجميع، أنا أقول: أنا، وهذا أيضًا يقول: أنا، وذاك أيضًا يقول: أنا، جميعنا نقول: أنا، فأيّها هو الصحيح؟ أيّها هو الصحيح؟ لا يمكن أن أقول أنا: أنا. ويقول ذاك: أنا. ويكون صحيحًا وكذلك إنسان آخر، وثالث ورابع، جميعنا نقول: لو لم أكن لحصل كذا، لو لم أكن أنا... فإذن من الواضح أنّنا جميعًا غارقون في الخيال، جميعنا غارقون في التصوّر، لأنّ هذين الاثنين من "الأنا" لا يمكن أن يجتمعا، هذه "الأنا" تزيح تلك، وتلك تزيح هذه، وكلتاهما تزيحان الثالثة، وثلاثتها تزيح الرابعة وأربعتها تزيح الخامسة والمائة منها تزيح المائتين، والمائتين تزيحان الألف، والألف تزيح المليون والمليون تزيح السبعين مليونًا...
الجميع يتطاردون في هذه "الأنا"، لا أحد يجمع أناه مع أنا أخرى، ويحقّق الوحدة والألفة. فإذن هناك سبعون مليون تصوّر، وسبعون مليون تخيّل، وسبعون مليون وسبعمائة مليون وبضعة مليارات ومهما تقدّمنا... فكلّ من في هذا العالم هم جميعًا في تخيّل في تخيّل في توهّم. هذا معنى آية{ ويحسبون أنّهم يحسنون صنعًا}. فحيث إنّ الإنسان يحبس نفسه في حدود تمنعه من الاهتمام بالحقيقة. تلك الحدود وذلك الغطاء تمنعه من الوصول إلى الواقع. غطاء، عندما أضع على رأسي قماشة سوداء فلن ترى عيني شيئًا بعد ذلك. يأخذون بيدي ويقودونني إلى حيث شاؤوا فأنقاد لهم؛ لأنّي عيني لا ترى في النهاية. فيصطدم رأسي بالجدار، يصطدم بالعمود، يصطدم بالباب. لماذا؟ لأنّي سترت أمام عيني.
