
المحور الثابت والمظاهر المتغيّرة
من هم الأخسرون أعمالاً الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنًعا؟ وما معنى من يعش عن ذكر الرحمن نقيّض له شيطانًا فهو له قرين؟ ماذا يحصل حتّى يحسب الإنسان أنّه يحسن صنعًا؟ كيف نحفظ أنفسنا من الدخول في هذه المهلكة؟ تجيب هذه المحاضرة عن هذه الأسئلة من خلال تفسير الآيات وشرح الأحاديث المرتبطة بذلك. وتؤكّد على دور التعقّل والتفكّر في حفظ النفس، وتكشف عن قانون سلوكيّ وفكريّ أساسيّ وهو التمييز بين المحور الثابت وبين المظاهر والأدوات المتغيّرة، وتمثّل لذلك بمجموعة من الأمثلة.
المحور الثابت والمظاهر المتغيّرة
3ما معنى كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع...؟
وقد تذكّرت الآن رواية عن أمير المؤمنين عليه السلام: كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والظمأ! وكم من قائم ليس له من قيامه إلا السهر والعناء! حبّذا نوم الأكياس وإفطارهم۱ وهي رواية عجيبة فالإمام يقول فيها كم من الناس يحيون الليل حتّى الصباح بالعبادة والصلاة والذكر والسهر، في حين أنّهم ليس لهم من هذا السهر إلا التعب والإرهاق وقلّة النوم والكآبة، وكم من أناس يقضون نهارهم من الصباح حتّى المساء ممسكين ولا يعود عليهم سوى الجوع والعطش والتعب، هنيئًا للأذكياء ـ وأولي الفهم والكياسة الذين يغتنمون الفرص ـ على إفاطرهم ونومهم، هؤلاء الذين ينامون ولكنّ نومهم ليس عن غفلة، نوم عن فهم، عن تدبّر، عن تفكير بالمصلحة. لا لأجل الغفلة يغطّون في النوم ولا يقومون حتّى الصباح. وإذا ما أفطروا فإنّ إفطارهم عن بصيرة ونظر، لا عن قلّة مبالاة وتساهل وتسامح وعدم التفات وانغماس في أمور الدنيا وغفلة عن أمور الآخرة.
ثلاثة أصناف للناس في الدنيا
الصنف الأول: أهل النعيم في الدينا والملذّات الدنيويّة الواضحة
لماذا هؤلاء مساكين وأشقياء؟ لماذا؟ لأنّ المشغول بالمعاصي في هذه الدنيا ينال على الأقل حظًّا منها في هذه الدنيا. ففي النهاية يقضي حياته في هذه الدنيا كما يحبّ ويهوى، يسرق، يشرب الخمر، يختلس، يقامر، يزني، يكذب، يرشو، يخادع الناس، يكذب على الناس، يعدُهُم كذبًا ويطوي حياته هكذا بهذه اللذائذ النفسيّة، أمّا أنّه لا شيء له في الآخرة فهذا أمر آخر، فعلى الأقلّ قضى دنياه بهذه الطريقة.
الصنف الثاني: أهل الشقاء في الدنيا والآخرة
أمّا من أراد أن يجعل حياته في هذه الدنيا بحيث يحرم نفسه فيها، وفي المقابل لا يجني شيئًا سوى هذا التكبّر والملذّات النفسيّة دون تلك اللذات المتعارفة، أفتحسبون أنّ من يريد أن يبلغ الزعامة ينام بهدوء؟ لا ينام من الليل إلى الصباح وهو يخطّط ماذا يفعل غدًا. لا ينام مرتاحًا، هو وأعوانه الآخرون هنا وهناك. لماذا؟ لأنّه يريد أن يصل إلى الرئاسة. فالرئاسة لا تُقدَّم هكذا لمن هو جالس في البيت! في النهاية على الإنسان أن يقوم بعمل ما، عليه أن يكذب بضعة كِذبات هنا، ويعِدَ بضعة وعود كاذبة هناك، فيشدّ إليه اهتمام عدد من الناس، ويجذب جماعة أخرى بأمور باطلة ويحكم بالباطل. كيف يخطّط بحيث يتغلّب على خصمه والمحيطين به، فهل لهؤلاء بال مرتاح؟! أنتم جلستم هنا مرتاحين وأنا أتكلّم معكم مرتاحًا. أمّا أولئك الذين لديهم أغراض في أذهانهم فإنّهم لا يرتاحون، لا بدّ أن يكون نهارهم وليلهم وحياتهم وجميع ما لديهم فداء للأمور التي تبلغ بهم إلى هذا المركز وهذا المقام.
- نهج البلاغة (محمد عبده) ج٤، ص ٢۷۱، الخطبة ۱٤٣.
