
المحور الثابت والمظاهر المتغيّرة
من هم الأخسرون أعمالاً الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنًعا؟ وما معنى من يعش عن ذكر الرحمن نقيّض له شيطانًا فهو له قرين؟ ماذا يحصل حتّى يحسب الإنسان أنّه يحسن صنعًا؟ كيف نحفظ أنفسنا من الدخول في هذه المهلكة؟ تجيب هذه المحاضرة عن هذه الأسئلة من خلال تفسير الآيات وشرح الأحاديث المرتبطة بذلك. وتؤكّد على دور التعقّل والتفكّر في حفظ النفس، وتكشف عن قانون سلوكيّ وفكريّ أساسيّ وهو التمييز بين المحور الثابت وبين المظاهر والأدوات المتغيّرة، وتمثّل لذلك بمجموعة من الأمثلة.
المحور الثابت والمظاهر المتغيّرة
2أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم محمّد
وعلى آله الطيّبين الطاهرين واللعنة على أعدائهم أجمعين
ما معنى "ولا يدع أيّامه باطلاً"؟
يقول الإمام الصادق عليه السلام لعنوان: ولا يدع أيّامه باطلاً.
أي إنّ المتّصف بهذه الأوصاف التي ذُكِرت، يجب أن لا يقضي عمره بالبطالة.
تقدّمت بعض الأبحاث حول معنى البطلان والبطالة في الجلسات السابقة إن كنتم تذكرون، وأنّ معنى البطلان هو الخواء، الخاوي هو الشيء الذي لا قيمة له ولا مقابل، يعطي الإنسان شيئًا ولا يأخذ مقابله شيئًا، فهذا معنى البطلان والخواء. لا نفع في عمله، فهذا معنى الخواء والبطلان.
كما تقدّم في الجلسة السابقة أنّ مقصود الإمام عليه السلام من هذه العبارة ليس أن يعمل الإنسان عملاً محرّمًا ثمّ ينال شيئًا مقابله؛ لأنّ هذا الأمر خارج عن محلّ البحث. بل المقصود هو أن يعمل الإنسان عملاً له ظاهر محمود، يُعتقد أنّه حسن، أمر يهتمّ به الناس ويريدونه، ولكنّ الإنسان لا ينال شيئًا وراء هذا العمل. هذا المعنى هو معنى البطلان.
من هم الأخسرون أعمالاً الذين يحسبون أنّهم يحسنون صنعًا؟
في الآية الشريفة يقول: {قل هل ننبّئكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعًا}.۱ وذكرنا في الجلسة السابقة أنّ المعيار في بحثنا هو هذه الآية وهو بكامله يتمحور حولها. فالمستوى الأوّل الذي يمكن أن نتصوّره لمسألة البطلان هذه، مستواها الأوّل الذي يمكن أن نستلهمه من هذه الآية، وإن شاء الله في الجلسات اللاحقة سنتعرّض للمستويات الأخرى التي هي أكثر ظرافة ودقّة وعمقًا...:
تقول الآية قل هل تريدون أن أخبركم من هم أكثر الناس شقاء وخسرانًا ومسكنة وفقرًا؟! من بين الناس الذي يعيشون في هذه الدنيا ويعملون هذه الأعمال التي يقوم بها الناس، ويعيشون حياتهم، هؤلاء الذين يتصوّرون أنّ العمل الذي يقومون به هو عمل خيرٍ حسنٌ في حين أنّ كافّة جهودهم ومساعيهم قد ذهبت أدراج الرياح في هذه الدنيا وصارت هباءً منثورًا ولم يبق منها لهم إلا التعب والنصب.
- سورة الكهف، الآيتان ۱۰٣ و۱۰٤.
