
المحور الثابت والمظاهر المتغيّرة
من هم الأخسرون أعمالاً الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنًعا؟ وما معنى من يعش عن ذكر الرحمن نقيّض له شيطانًا فهو له قرين؟ ماذا يحصل حتّى يحسب الإنسان أنّه يحسن صنعًا؟ كيف نحفظ أنفسنا من الدخول في هذه المهلكة؟ تجيب هذه المحاضرة عن هذه الأسئلة من خلال تفسير الآيات وشرح الأحاديث المرتبطة بذلك. وتؤكّد على دور التعقّل والتفكّر في حفظ النفس، وتكشف عن قانون سلوكيّ وفكريّ أساسيّ وهو التمييز بين المحور الثابت وبين المظاهر والأدوات المتغيّرة، وتمثّل لذلك بمجموعة من الأمثلة.
المحور الثابت والمظاهر المتغيّرة
13وأمّا سائر المسائل فلا بدّ أن تكون ظروفًا ومظاهر لهذا الأصل الثابت والمبنى الذي لا يتغيّر، فما هو المهمّ لدى المسلم في الإسلام والذي اهتمّ به رسول الله صلّى الله عليه وآله عندما بعث بالرسالة هو حركة المسلمين في مسير تكاملهم على أساس هذا المبدأ والقانون الأساس الذي هو التوحيد. الله وحده فقط، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا۱ فحسب. فليكن الله تعالى وحده أمام ناظركم، إن كنتم كذلك فستفلحون، فالفلاح والتوفيق مترتّبان على مسألة التوحيد فحسب. وليسا مترتّبين عليّ أنا رسول الله كشخص وكإنسان وكفرد، وليس الفلاح والتوفيق متوقّفان على سائر المظاهر والأفراد والشخصيّات المختلفة. لا يرجع الأمر إلا إلى الله وحده قولوا لا إله إلا الله تفلحوا.
يحصل الإنسان في هذه الدنيا على علم، يحصل على قدرة، وهذا العلم والقدرة والكمال والأمور الجذّابة هي ذات قيمة ما دام يستفاد منها في مسير الحركة نحو التوحيد، القوّة لها قيمة ما دامت لها حيثيّة الوسيّلة والآلة لا حيثيّة الاستقلال. العلم له قيمة ما دام يسوق الإنسان والآخرين إلى التوحيد، لا إلى الذات والشخصيّة. وبعبارة أخرى إن كنّا أتينا واستبدلنا هذا المبدأ التاريخيّ الثابت بمظهره وبظرفه ومكانه فإنّا مشمولون لهذه الآية: {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً}، فعلمنا الذي يجب أن يكون في سياق التوحيد، إذا حصَرنا فيه وسُلِبت عنه حيثيّة التوحيد، صار أصلاً ثابتًا.
ومن باب المثال، نحن لماذا نريد كوب الماء هذا؟ نريده لرفع العطش. الغرض من هذا الكوب وهذا الظرف هو أن يكون فيه ماء يرفع به الإنسان عطشه. فلو تقرّر أن آتي وأستبدل هذا الشيء الذي هو لرفع العطش بهذا المظهر والمقطع التاريخيّ الذي هو عبارة عن هذا الكوب وأتّخذ من هذا الكوب أصلاً ثابتًا، فيمكن أن لا يكون هناك كوب في مكان ما، فإذن يجب أن أموت من العطش حينها. والحال أنّه ما دام المقصود من هذا الكوب هو رفع العطش فيمكن للإنسان أن يرفع العطش أحيانًا بواسطة كاسة، وأحيانًا بكوب، وأحيانًا من صنبور الماء هذا، وأحيانًا بكفّه، كلّ هذه المظاهر لا بدّ أن تعدّ أدوات للوصول إلى الهدف، لا أنّ هذه الوسيلة تصبح متّحدة مع الغاية، حينها سيفقد الأصل والقانون أصالته وحقيقته ويقيّد الإنسان بهذا المظهر.
- بحار الأنوار، ج۱۸، ص ٢۰٢: طارق المحاربي : رأيت النبي ( صلى الله عليه وآله ) في سويقة ذي المجاز عليه حلة حمراء وهو يقول : " يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا " وأبو لهب يتبعه ويرميه بالحجارة وقد أدمى كعبه وعرقوبيه، وهو يقول : يا أيها الناس لا تطيعوه فإنه كذاب.
