
الحقّ والباطل
في ضمن شرح فقرة (ولا يدع أيّامه باطلاً) من حديث عنوان البصريّ أجاب سماحة آية الله السيد محمد محسن الطهراني عن التساؤلات التالية: هل نحن في خدمة الأجهزة التي نصنعها أم هي في خدمتنا؟ كيف يطوي الإنسان الطريق إلى الله مع الله؟ ما معنى جعل الأعمال هباء منثورًا؟ وأيّ الأعمال هي التي تستحقّ ذلك؟ هل تجوز إقامة ذكرى أربعين لغير سيّد الشهداء عليه السلام؟ ما معنى البطالة؟ وما معنى الحقّ والباطل؟ هل سنلقى أمر الله أم سنلقى الله نفسه؟ كيف نكون في صراط عليّ حقًّا؟
الحقّ والباطل
16والكلام هو في أنّ الباطل لا يبقى. والدليل على ذلك أنّا نأتي ونلطم على رؤوسنا أن يا ويلنا! لأجل ماذا؟ لأنّا حصلنا في ذلك اليوم على ألف تومان. واقعًا كم يجب أن يكون الإنسان شقيًّا وعديم الحظ، بحيث يدعها الإنسان هكذا بعد أن وضعت أمامه بالمجّان ويعمل بأمور أخرى. هكذا بكلّ سهولة، وضعوها أمامنا بكلّ سهولة أن هذا حقّ وهذا باطل.
لذلك تقول الآية الشريفة:{ ذلك بأنّ الله هو الحقّ}. فالحقّ هو عبارة عن الله،{ وأنّ ما يدعون من دونه هو الباطل}. فكلّ ما هو غير الله فهو باطل، كلّ ما يريده الإنسان غير الله وكلّ ما يطلبه غير الله. فهذا المعنى هو معنى الحقّ والباطل بشكل مختصر ومضغوط.
وإن شاء الله في الجلسة القادمة سنوضّح كيفيّة تطبيق الله ورضاه في الأفعال والأعمال وكيفيّة الاجتناب عن الباطل وأنّه بأيّ صور يأتي. وواقعًا عجيب كيف تبيّن الآية الشريفة هذا المعنى خير بيان.
ما معنى وقدمنا إلى ما عملوا فجعلناه هباء منثورًا؟
وفي آية أخرى يقول:{ وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورًا}.۱ كلّ عمل عملوه في هذه الدنيا فإنّا نعرضه في عالم القيامة هذا، نبيّنه كلّه، ثمّ بعد أن نحضره ونبيّنه {جعلناه هباء منثورًا} نجعله منتشرًا في الهواء كالقطن ونقضي عليه ولا ندع لهم أثرًا له يوم القيامة. كافّة الأعمال التي قاموا بها في هذه الدنيا، هذا للمجرمين! هذه الآية كما كان الأعاظم يقولون هي واقعًا من الآيات التي تقشعرّ لها الأبدان. فما معنى {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورًا}؟ يعني تلك الأموال التي سرقناها في هذه الدنيا، نأتي بها يوم القيامة؟ هذه أصلاً لا تستحقّ. ذلك الكذب الذي كذبناه في هذه الدنيا نأتي به؟ هل ذلك القمار الذي عملوه في الدنيا نأتي به؟ نعوذ بالله. الذنوب والمحرّمات التي ارتكبناها في الدنيا، هل هذا ما يحضر؟ هذا هو المعنى؟ فهذا لا يستحقّ أن يجعل هباء منثورًا، هذا من البداية أمره منتهٍ.
ماذا تريد هذه الآية أن تقول؟ هذه الآية تريد أن تنبّهنا على أنّ هذا الأعمال التي كنت تظنّها خيرًا في الدنيا ولها صورة ظاهريّة مقبولة والعمل الذي يمكن أن يكون بحسب الظاهر في ميزان الأعمال فإنّا نأتي به يوم القيامة وننثره بحيث لا يبقى منه شيء. لماذا لا يبقى؟ لأنّه كان باطلاً، ظاهره كان مقبولاً، ظاهره صلاة، ولكن يوم القيامة نبيّن حقيقة هذه الصلاة ونجعلها هباء منثورًا. كان ظاهرها تبليغًا للدين، ولكن في يوم القيامة يعدّ هذا التبليغ للدين تبليغًا للشيطان، ظاهر هذا العمل كان لله، هذا العمل كان لخدمة الناس، لأجل صحّة الناس وسلامتهم، لأجل رفاهية الناس وراحتهم، ولكنّا نأتي بذلك العمل يوم القيامة ونبيّن باطنه ونريك إيّاه، فإذا رأيته{ جعلناه هباء منثورًا}. يبقى الإنسان وحيدًا فريدًا. لا يبقى له شيء آخر. لقد تعبتُ في هذه الدنيا إلى هذا الحدّ لقد خدمت الناس إلى هذا الحدّ، لقد عالجت المرضى إلى هذا الحدّ، لقد بلّغت إلى هذا الحدّ، في جميع الفنون عملت هذا، قمت بهذا، ولكن عندما ينتقل إلى ذلك العالم يرى أنّه لا خبر عن ذلك.
- سورة الفرقان، الآية ٢٣.
