
مجالس الأئمّة عليهم السلام: آدابها وشروطها
شرح فقرة «فَإذَا أَكْرَمَ اللَه الْعَبْدَ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ، هَانَ عَلَيْهِ الدُّنْيَا وَإبْلِيسُ وَالْخَلْقُ».
هل تتحدّد مكانة الإنسان عن طريق حبّ الجماهير وتبعيّة الناس؟ هل يجوز للزوج نقل انشغالاته الخارجيّة إلى محيط المنزل؟ ما هي خطورة الخلفيّات المسبقة على سير الإنسان وسلوكه؟ هل يوجد إسلام وتشيّع وسلوك من دون عقل؟ كيف ينبغي مراعاة شؤون الإمام عليه السلام في مجالس الأعياد والوفيات؟ ما هو الموقف العقلائيّ تجاه مسألة التطبير؟ ما هو منهج المرحوم العلاّمة في استدعاء الخطباء من المعمّمين؟ وأيّة آداب ينبغي مراعاتها عند دعوة هؤلاء للمجالس؟ هي أسئلة سعى سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للإجابة عنها في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها استطرادًا لبحث موضوع آداب المجالس في ضمن حديثه عن فقرة «فَإذَا أَکْرَمَ اللَه الْعَبْدَ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ، هَانَ عَلَيْهِ الدُّنْيَا وَإبْلِيسُ وَالْخَلْقُ».
مجالس الأئمّة عليهم السلام: آدابها وشروطها
3فكان الكلام يدور بين المرحوم العلاّمة وبين ذلك الشخص، فالتفت إليه، وقال: لأيّ سبب جعلت مكانة هؤلاء الأشخاص مثل مكانة الإمام عليه السلام؟ وما هو الأساس الذي اعتمدت عليه في ذلك؟ أ فهل تمكّنت من بلوغ معرفة الإمام؟ وهل تسنّى لك إدراك درجة علمه عليه السلام، بحيث صرت عالمـًا بالمرتبة من العلم والمعرفة التي يوجد فيها؟ فهل اطّلعت على هذه المسألة؟ قال: «لا يا سيّدي، لكن، لا يحتاج ذلك إلى الاطّلاع [على علم الإمام]؛ إذ يكفي أن ننظر إلى الناس، وكيفيّة تبعيّتهم، وميلهم، وإلى التحوّلات التي حصلت، وإلى كذا وكذا». فالتفت إليه المرحوم العلاّمة، وقال: «هل تعتقد أنّ درجة ميل الناس وحبّهم للإنسان هي الملاك الذي يُحدّد مكانته؟»؛ فمن السخافة بمكان أن يأتي أحد، ويعتبر الملاك والمعيار المحدّد لمكانة الإنسان هو حبّ الجماهير وتبعيّة الناس؛ ثمّ قاله له: «إن كان الأمر بهذا النحو، فسيأتي يوم، وترى أنّ نفس هذه الجماهير التي لها ميل وحبّ ستتراجع [عن ذلك الميل والحبّ]»؛ وما إن انتهى من كلامه هذا، حتّى طأطأ ذلك الشخص برأسه إلى أسفل.
فالملاك ليس في ميل الإنسان، بل ينبغي أن نرى ما هو مقدار الفهم والمعرفة الذي يتّكئ عليه هذا الميل؛ فهذا هو الملاك، وهذا هو المهمّ.
أمسك الآن بحلوى في يدك، أو بسكاكر، فإنّك تجد أنّ أوّل من يهجم على هذه السكاكر هم الأطفال ذوو الثلاث سنوات؛ ويُمكنكم أن تُجرّبوا ذلك بأنفسكم؛ كأن تذهبوا إلى مكان معيّن توجد فيه طبقات مختلفة من الناس: من الذين يبلغ عمرهم سنتان أو ثلاث سنوات، حيث يقتصر ما تعرّفوا عليه هو الطعم الحلو للسكاكر؛ ومن الذين يبلغ عمرهم ثلاث وأربع وخمس وعشر سنوات، وعشرين سنة، وخمسين سنة، وستّين سنة؛ وهكذا؛ ثمّ لتأخذ سكاكر بيدك، وانظر من الذي سيأتي عندك من بين هذا الجمع. سترى أنّ الطفل ذا ثلاث أو أربع أو خمس سنوات هو الذي يأتي، ويقول: «أعطني يا سيّدي أنا الأوّل»، ويقول الآخر: «أعطني يا سيّدي أنا الأوّل»؛ فتعمل على تقسيم تلك السكاكر. ثمّ خذ بيدك قلم حبر، وانظر من الذي سيأتي عندك من بين ذلك الجمع؛ سيأتي ذوو العشر سنوات، والإثني عشرة سنة، والخمسة عشرة سنة؛ ثمّ خذ بيدك مثلاً كتابًا، وسترى بأنّ الذين سيأتون هم ذوو العشرين سنة، والإثني وعشرين سنة، والخمسة وعشرين سنة؛ وفي هذه الحالة، إذا فرضنا أنّ أحدًا مثل المرحوم العلاّمة رضوان الله تعالى عليه يأتي، ويعقد جلسة ومحاضرة، فإن أراد الحديث في موضوع معيّن، فإنّ حديثه لن يكون مشابهًا لحديثنا؛ ولا يخفى أنّني لا أريد هنا ـ لا سمح الله تعالى ـ توجيه إهانة لأيّ أحد، وليغضّ الرفقاء والأحبّة الطرف عن عيوبي وتقصيراتي، فأنا أعلم أنّ هدفهم يتعلّق بأمور أخرى، لكنّني أتحدّث هنا عن نفسي، مع أنّنا نبتعد بفراسخ كثيرة [عن تلك الحقائق]؛ فإن أتى المرحوم العلاّمة، وكان هناك حشد كبير يبلغ عشرة آلاف إنسان مثلاً أو خمسين ألف، وبدأ في تفسير آية النور: {اللَهُ نُورُ السَّمَوَتِ}.. أ فلم يكن يُفسّرها في ليالي الثلاثاء؟ {اَللّٰهُ نُورُ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَاَلْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكٰاةٍ فِيهٰا مِصْبٰاحٌ اَلْمِصْبٰاحُ ...}۱، فإن جاء، وبدأ يُفسّر كيفيّة نزول مراتب الفيض الإلهيّ إلى عالم الإمكان كلٌّ بحسب درجته، كم سيأتي من أولئك المائة ألف، ويجلسون للاستماع؟ عشرة أشخاص كحدّ أقصى، عشرة أشخاص بشقّ الأنفس! وسيغفو منهم ثلاثة كما حدّثتكم بذلك سابقًا..
- سورة النور، الآية ٣٥.
