
مجالس الأئمّة عليهم السلام: آدابها وشروطها
شرح فقرة «فَإذَا أَكْرَمَ اللَه الْعَبْدَ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ، هَانَ عَلَيْهِ الدُّنْيَا وَإبْلِيسُ وَالْخَلْقُ».
هل تتحدّد مكانة الإنسان عن طريق حبّ الجماهير وتبعيّة الناس؟ هل يجوز للزوج نقل انشغالاته الخارجيّة إلى محيط المنزل؟ ما هي خطورة الخلفيّات المسبقة على سير الإنسان وسلوكه؟ هل يوجد إسلام وتشيّع وسلوك من دون عقل؟ كيف ينبغي مراعاة شؤون الإمام عليه السلام في مجالس الأعياد والوفيات؟ ما هو الموقف العقلائيّ تجاه مسألة التطبير؟ ما هو منهج المرحوم العلاّمة في استدعاء الخطباء من المعمّمين؟ وأيّة آداب ينبغي مراعاتها عند دعوة هؤلاء للمجالس؟ هي أسئلة سعى سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للإجابة عنها في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها استطرادًا لبحث موضوع آداب المجالس في ضمن حديثه عن فقرة «فَإذَا أَکْرَمَ اللَه الْعَبْدَ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ، هَانَ عَلَيْهِ الدُّنْيَا وَإبْلِيسُ وَالْخَلْقُ».
مجالس الأئمّة عليهم السلام: آدابها وشروطها
24قلت لهم ـ وكلامي هنا في مشهد ـ: «حينما أردت المجيء إلى هنا، أردت الحديث عن أنّ لكلّ واحد منّا مكانته ومنزلته الخاصّة، وقد تمّكن الرفقاء بأنفسهم من استيعاب هذه المسألة عمليًّا»؛ وكان المرحوم العلاّمة جالسًا هناك، فقلت: «سأحكي لكم الآن عن قضيّة حصلت معه هو بنفسه الجالس هنا».
قلت: في الزمان السابق، كانت جلسات يوم الجمعة متنقّلة، وكانت تُعقد في المنازل؛ ثمّ صارت تُعقد بعد ذلك في مسجد القائم قبل ثلاث ساعات من وقت الظهر، لتنتهي عند حلول الظهر؛ فكان [السيّد العلاّمة] يُؤدّي الصلاة، ويرجع؛ لكن، قبل ذلك، كانت هذه الجلسات تُعقد في المنازل، حيث كان منزلنا يقع آنذاك في شارع "آهنك" بمنطقة "أحمدية دولاب"، وكانت المسافة الفاصلة بين هذا المنزل، وبين مكان عبور السيّارت تبلغ كيلومترًا واحدًا تقريبًا؛ فكان يلزم قطع هذه المسافة مشيًا للوصول إلى طريق معبّد تعبر منه السيّارات، وكان المرحوم العلاّمة يقطع هذه المسافة إلى مسجد القائم كلّ يوم ذهابًا وإيّابًا.
كان ذلك اليوم هو يوم الجمعة، وأذكر تمامًا أنّه كان يوم الثامن والعشرين من شهر صفر، فالتمس منه أحد أهالي المسجد في ميدان الإمام الحسين عليه السلام أن يجعل جلسة الجمعة قريبةً من فترة الظهر بدلاً عن الصباح، بحيث تُقام الصلاة هناك، ويُقدّم الطعام، فقبل طلبه؛ وقد كنت أبلغ في ذلك الزمان الثامنة أو التاسعة من العمر لا أكثر؛ فانطلقنا من البيت في الساعة التاسعة، إلى أن وصلنا إلى شارع "شهباز"؛ أي أنّنا أتينا من المنزل بهذا النحو إلى أن وصلنا إلى هذا الشارع؛ إذ لم تكن هناك أيّة وسيلة نقليّة؛ فوقفت برفقة أخوتي مع المرحوم العلاّمة في جانب الشارع، وأذكر أنّنا بقينا ننتظر سيّارة أجرة لمدّة نصف ساعة بالضبط من دون أن تمرّ أيّة واحدة، مع أنّ الطريق كان مستويًا.
فنظر إلينا المرحوم العلاّمة؛ إذ كان يهتمّ كثيرًا ببيان المسائل وتوضيح الطريق، بحيث إنّه وفي ذلك الزمان، كان يُبيّن لنا الحقائق بمستوى فهمنا، وكان يسعى لتفسير المسائل وترسيخ الطريق لدينا في كلّ مراحل عمرنا، لكن، بقدر فهمنا وإدراكنا؛ فلم يكن يمتنع عن الحديث معنا أو إطلاعنا على الأحداث، بل كان يضعنا في مسار الحقائق، ويُبيّن لنا الأمور، ويُرشدنا بما يتوافق مع حدودنا الفكريّة؛ فقال لنا: «أيّها الأولاد، أريد أن أخبركم بشيء»؛ وهذه هي نفس عبارته، كما أنّه كان يُصغي إلينا، غاية الأمر أنّه كان يُرخي برأسه إلى الأسفل، فنقول كلّ ما يحلو لنا.
