
مجالس الأئمّة عليهم السلام: آدابها وشروطها
شرح فقرة «فَإذَا أَكْرَمَ اللَه الْعَبْدَ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ، هَانَ عَلَيْهِ الدُّنْيَا وَإبْلِيسُ وَالْخَلْقُ».
هل تتحدّد مكانة الإنسان عن طريق حبّ الجماهير وتبعيّة الناس؟ هل يجوز للزوج نقل انشغالاته الخارجيّة إلى محيط المنزل؟ ما هي خطورة الخلفيّات المسبقة على سير الإنسان وسلوكه؟ هل يوجد إسلام وتشيّع وسلوك من دون عقل؟ كيف ينبغي مراعاة شؤون الإمام عليه السلام في مجالس الأعياد والوفيات؟ ما هو الموقف العقلائيّ تجاه مسألة التطبير؟ ما هو منهج المرحوم العلاّمة في استدعاء الخطباء من المعمّمين؟ وأيّة آداب ينبغي مراعاتها عند دعوة هؤلاء للمجالس؟ هي أسئلة سعى سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للإجابة عنها في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها استطرادًا لبحث موضوع آداب المجالس في ضمن حديثه عن فقرة «فَإذَا أَکْرَمَ اللَه الْعَبْدَ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ، هَانَ عَلَيْهِ الدُّنْيَا وَإبْلِيسُ وَالْخَلْقُ».
مجالس الأئمّة عليهم السلام: آدابها وشروطها
8لا ينبغي أن نجعل لأنفسنا خلفيّات مسبقة؛ فإذا ذهبنا إلى مكان معيّن بخلفيّة مسبقة، فلن نحصل على أيّة نتيجة؛ لأنّ ذهننا سيكون ـ والحال هذه ـ مملوًّا، وسيكون قد شيّد لنفسه بناية؛ وحتّى إذا لم يُشيّد مثل هذه البناية، فإنّ تلك المساحة التي هيّأها سترسم له كحدّ أقلّ المخطّط الذي يتعيّن عليه وضعه في هذا المجال.
حينما كان المرحوم العلاّمة رضوان الله تعالى عليه يذهب عند السيّد الحدّاد ـ وما أذكره لكم يُمثّل ما شاهدته شخصيًّا ـ، كان يذهب عنده من دون أيّة خلفيّة مسبقة؛ وقد كان هذا واضحًا من نظره واستماعه وانتباهه إليه؛ فعندما تتنّحى الخلفيّات المسبقة جانبًا، يأتي كلّ ما يقوله خالصًا، ويستقرّ هنا من دون أن يعرضه أيّ تموّج؛ فتأتي تلك الذبذبات، وتستقرّ في القلب، ولا تبقى تدور في تلك الناحية، أو تذهب إلى البهو، أو إلى فناء البيت، لتواجهها في الأثناء الآلاف من البلاءات؛ لا، فما إن ينطق [السيّد الحدّاد] بشيء، حتّى يأتي، ويستقرّ، ويرسخ؛ فهكذا يحصل ترسيخ الكلام وتثبيته، ليصير أصلاً ومبدأً.
لكن، في نفس الوقت الذي كان فيه المرحوم العلاّمة بهذا النحو، كنت أشاهد أنّ آخرين يأتون، ويجلسون هناك، ويظلّون يترقّبونه حينما يتحدّث عن مسألة معيّنة، عسى أن يتّجه الكلام إلى هذه الناحية أو تلك الناحية، لكي يجري التطرّق في الأخير لأحدهم؛ وقد رأيت ذلك بأمّ عيني؛ لكنّ مثل هذا الشخص لا يُمكنه تحصيل الفائدة المرجوّة، كما أنّ [السيّد الحدّاد] يعلم جيّدًا كيف يخدعه خدعة تملأ كلّ كيانه، بحيث لا يشعر أبدًا بالجهة التي تلقّى منها الضربة، ومن أين مرّت القضيّة! وكان المرحوم السيّد الحدّاد يقول مرارًا وتكرارًا: يأتي البعض إلى هنا، وهم يعتقدون أنّنا لا نفهم شيئًا، ثمّ يقرأ أحد الأبيات الشعريّة لمثنوي:
داند و خر را همی راند خموش *** بر رخت خندد برای روی پوش [يقول: يعلم، ولكنّه يقود حماره بصمت، ويضحك في وجهك لكي يستر علمه].
فهو يضحك أيضًا، ولا يُقطّب وجهه أبدًا؛ لكن، انتبهوا، فإنّ هذه الضحكة هي نفس تلك الخدعة التي تغمر كلّ كيانه؛ وأمّا [المرحوم العلاّمة]، فلم يكن بهذا النحو، بل كان يأتي، ويجلس، فيرى أحيانًا تقطيب الوجه، ويرى أحيانًا الضحك، ويرى تارةً التبسّم، ويرى تارةً أخرى الخصام؛ لكنّه يراها بأجمعها صحيحة وفي محلّها. وحينما يصير الأمر بهذا النحو، تبدأ النفس في الخضوع للتربية، والتبدّل، والتحوّل؛ فكلمّا ذهب إلى هناك، تغيّر؛ ولأنّه صادق ونزيه، فإنّه يتمكّن من التلقّي [والاستفادة]؛ ولو كان هنا، و[السيّد الحدّاد] هناك.
