
مجالس الأئمّة عليهم السلام: آدابها وشروطها
شرح فقرة «فَإذَا أَكْرَمَ اللَه الْعَبْدَ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ، هَانَ عَلَيْهِ الدُّنْيَا وَإبْلِيسُ وَالْخَلْقُ».
هل تتحدّد مكانة الإنسان عن طريق حبّ الجماهير وتبعيّة الناس؟ هل يجوز للزوج نقل انشغالاته الخارجيّة إلى محيط المنزل؟ ما هي خطورة الخلفيّات المسبقة على سير الإنسان وسلوكه؟ هل يوجد إسلام وتشيّع وسلوك من دون عقل؟ كيف ينبغي مراعاة شؤون الإمام عليه السلام في مجالس الأعياد والوفيات؟ ما هو الموقف العقلائيّ تجاه مسألة التطبير؟ ما هو منهج المرحوم العلاّمة في استدعاء الخطباء من المعمّمين؟ وأيّة آداب ينبغي مراعاتها عند دعوة هؤلاء للمجالس؟ هي أسئلة سعى سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للإجابة عنها في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها استطرادًا لبحث موضوع آداب المجالس في ضمن حديثه عن فقرة «فَإذَا أَکْرَمَ اللَه الْعَبْدَ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ، هَانَ عَلَيْهِ الدُّنْيَا وَإبْلِيسُ وَالْخَلْقُ».
مجالس الأئمّة عليهم السلام: آدابها وشروطها
18قلت: الأمر المطروح في الإسلام هو أنّ الإضرار بالجسد حرام؛ فالذي لدينا في الإسلام أنّه لا يجوز للإنسان الإضرار ببدنه، بحيث لا يُمكنه فعل ذلك، ولو كان بمستوى خدشة؛ لماذا؟ لأنّ هذه الخدشة التي تُحدثها في جسدك ضرر، والميكروب [الذي يتسلّل من خلالها] قد يقتل؛ وبالتالي، فإنّها تُسبّب ضررًا، فتكون محرّمة بهذا المقدار؛ ولا يخفى أنّ الحرام له مراتب؛ وتلك الخدشة لا تكون مثل شرب الخمر، أو الزنا، أو الغيبة، أو البهتان، أو أمثال ذلك؛ لكن، يبقى أنّها محرّمة بحسب مرتبتها الخاصّة؛ بمعنى أنّ نفس هذه الخدشة التي أحدثتموها في جسدكم، ستوضع في ملفّكم، ويتعيّن عليكم يوم القيامة الدفاع عن أنفسكم في مقابلها؛ أي أنّكم ستُسألون: لماذا حملتم السكّين في اليوم الكذائيّ؟ ولماذا جرحتم أنفسكم؟ وعليكم أن تُقدّموا جوابًا؛ فهذا هو المراد. ثمّ قلت لهم: هذه قاعدة كلّية، ومبدأ عقلائيّ مفاده أنّ الإنسان لا يجوز له إلحاق الضرر بنفسه؛ لأنّه أمر محرّم.
وفي هذه الحالة، تعالوا بنا لنرى هل إنّ مسألة التطبير مشمولة بهذا القانون أم لا. قلت لهم: إذا كان المراد منها مجرّد إسالة الدم، فهذا أمر لا يوجد فيه أيّ إشكال؛ أ فلا تقولون أنتم بأنفسكم: على الإنسان أن يتبرّع كلّ ستّة أشهر بأربعمائمة سنتيمتر مكعّب من الدم؟! فكيف يكون هنا التبرّع بالدم جائزًا، بينما لا يجوز إسالة قليل من الدم؟! مع أنّ الدم المسال لا يبلغ مقدار أربعمائة سنتيمتر مكعّب، بل لا يصل حتّى إلى ثلاثمائة سنتيمتر مكعّب؛ وغاية ما قد يبلغه هو مائة وخمسين سنتيمتر مكعّب؛ وأنتم بأنفسكم تعترفون أنّه بوسع الإنسان التبرّع بأربعمائمة سنتيمتر مكعّب من الدم إذا كان جسده يتمتّع بالصحّة، وله وزن معيّن، ولم يكن يُعاني من المرض، أو من ألم في القلب، ولم يكن مستوى الهيموجلوبين متدنيًّا لديه؛ حسنًا، كيف لا يوجد هنا إضرار بالجسد، بينما يكون التطبير مضرًّا به؟!
هذا أوّلاً، وعلاوة على ذلك، إذا أردنا أن ننظر إلى هذه المسألة على ضوء كلام المتقدّمين، بل حتّى المتأخّرون صار لهم نفس الرأي، فإنّ أحد أقسام الحجامة التي كانت موجودة في الطبّ القديم هي الحجامة في الرأس؛ فالحجامة من المسائل التي كانت موجودة في تاريخ الإسلام وفي زمان الأئمّة، كما جرى التأكيد عليها أيضًا؛ مع أنّ البعض يُعارضها في هذا العصر، لكن، يبقى أنّ هذه المعارضات بدأت تخفّ شيئًا فشيئًا؛ إذ توصّل هؤلاء المعارضون إلى فوائد الحجامة، وانتبهوا إلى أنّ لها طابعًا علاجيًّا، بحيث إنّ الدم الذي يُؤخذ من الظهر يختلف من ناحية أجزائه عن الدم الذي يُؤخذ من الشريان؛ وحتّى أنّه أُلّف كتابٌ بخصوص هذا الموضوع أعطاه لي أحد الأحبّة، كان قد كتبه أحد زملائه؛ وهو من المتخصّصين في أمراض الدم، ومن المدافعين بشراسة عن الحجامة، ومن المتّصدين للمبارزة في هذا الميدان، حيث أورد في هذا الكتاب مسائل مفيدة جدًّا. لقد كانت الحجامة مسألة متداولة، وكان العديد من الأطبّاء يعتمدون عليها في علاجهم، إلى درجة أنّ ابن سينا كتب فصلاً مستقلاًّ عنها، مع أنّه لم يكن يلجأ هنا إلى الشعوذة، بل كان يستخدمها بنفسها؛ وهكذا الشأن بالنسبة لمحمّد بن زكريّا الرازي الذي كتب فصلاً كبيرًا عنها، وكان يستخدمها في العلاج؛ فهؤلاء لم يكونوا يلجؤون للطلاسم وعلم الرمل و"الحمّص"، بل كانوا يُعالجون الناس بهذه الطريقة.
