
فلسفة خلق الشيطان
في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه لإكمال البحث عن فقرة «فَإذَا أَكْرَمَ اللَهُ الْعَبْدَ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ هَانَ عَلَيهِ الدُّنْيا، وَإبْلِيسُ، وَالْخَلْقُ ...»، تحدّث بدايةً عن بعض المسائل المرتبطة بالتقليد فيما يخصّ عِظم المسؤوليّة والالتزام تجاه دين الناس، وكذلك الشروط التي ينبغي توفّرها في المقلَّد، وضرورة تعرّف المقلِّد على أفكار المقلَّد وشؤونه المعنويّة ومستواه الإيمانيّ والتقوائيّ، لينتقل للحديث عن العمل الرئيسيّ للشيطان المتمثّل في الوسوسة، وبيان الهدف من هذه الوسوسة، ومن هم الذين يخضعون لها، والطريقة المثلى لمواجهتها؛ وذلك في ضمن استعراضه رضوان الله تعالى عليه لبعض القصص والنماذج لهذه المسألة المهمّة.
فلسفة خلق الشيطان
9{فَوَسْوَسَ لَهُماَ الشَّيطانُ}؛ فجاء الشيطان، وبدأ يوسوس، ويوسوس، ويقول: لقد بقيت كلّ هذه المدّة في الجنّة، أ فلم تُصب بالتعب والملل؟ فأنت في نهاية المطاف قد جُلتها طولاً وعرضًا، ورأيت ما فيها: أشجار، وفواكه، وحور عين، وغلمان، و...؛ غير أنّ الإنسان يرغب في التنوّع، وهناك بعض الأمكنة التي خلقها الله تعالى [ولم ترها بعدُ]، حيث خلق عالم الدنيا وعالم الأرض الترابيّة الذي يتميّز بالخصائص الكذائيّة، ويتسنّى لك فيه أن تأكل ما تشاء، وتفعل ما تريد، من دون أن تكون تحت مراقبة أيّ أحد بعد ذلك، بل ستكون الأمور بين يديك أنت؛ فبدأ يُحدّثه بهذه المسائل، ويُهيء أرضيّة الضعف المساهمة في ارتكاب المخالفة، وينمّيها.
فلماذا لا يذهب الشيطان عند الملائكة، ويوسوس لهم؟ هل جاء على بالكم إلى حدّ الآن، أن يأتي الشيطان عند جبرائيل! ما شاء الله! ما الخبر؟!
وهنا أريد أن أحكي لكم قصّة، وهي ليست مهمّة جدًّا، لكن، لا ضير في ذكرها من باب المزاح؛ فذات يوم، ذهبت لزيارة أحد الأحبّة، وكانت له زوجة؛ ومع أنّ هذه المسكينة كانت من أهل صلاة الليل و...، إلاّ أنّها أصيبت بمرض، وكانت تُبدي نوعًا من الشكوى والاعتراض على الله تعالى، لكن بمقدار قليل جدًّا! وبما أنّ أحوالها لم تكن على ما يُرام، ووصف لها الطبيب دواء للتقليل من الألم والمعاناة التي كانت تُقاسيها، فإنّها كانت تتحدّث بكلمات حلوة، حيث قام زوجها لأداء الصلاة، فقالت له: «لا تُصلِّ يا عزيزي! فلأجل من تُصلّي؟ فهو بهذا النحو، سيُدلّل نفسه؛ وحينئذ، سيزيد من ألمنا أكثر فأكثر! فلا تُتعب نفسك من دون طائل! فهو بهذا الشكل، سيُدلّل نفسه؛ وحينئذ، سيزيد من ألمنا أكثر فأكثر! فلا داعي لأن تُصلّي، بل أبدِ له عدم اهتمامك قليلاً، وستنحلّ الأمور!»؛ لقد كانت أحوالها جيّدة، وكنّا بدورنا نضحك من هذه الأمور.
لماذا يوسوس الشيطان للإنسان ولا يوسوس للملائكة؟
فلماذا لا يذهب الشيطان عند الملائكة؟ ولماذا لا يقترب من جبرائيل؟ لأنّها لا تمتلك تلك الأرضيّة، ولأنّها وصلت إلى مرتبة الفعليّة العقليّة، لكن بحسب مستواها، فسُلبت عنها أرضيّة ارتكاب المعصية؛ ولهذا، إذا ذهب عند جبرائيل ألف مرّة، فلن يُصغيَ له أبدًا؛ ومن هنا، فإنّه يقول: «لماذا أتعب نفسي معه من دون طائل؟! عليّ الذهاب عند الأفراد الذين يُصغون ولله الحمد إليّ، ويُعطون قيمة لكلامي، ويُثمّنونه، ولا يطرحونه أرضًا»؛ ولهذا، فإنّه لا يذهب عند الملائكة؛ وحينئذ، ماذا يفعل سماحة الشيطان؟ يأتي عندي وعندك {فَوَسْوَسَ لَهُماَ الشَّيطانُ}؛ قم وتعال، تعال إلى هذه الدنيا، وانظر ما الخبر! تعال، وانظر إلى المسائل التي تحصل فيها والأوضاع التي تسودها! فهذا يريد الاستيلاء على البلد الفلاني، وذاك يريد السيطرة على البلاد العلاّنية، والآخر يرغب في فعل كذا؛ تعال، فهناك الجنّة موطن السكون والهدوء، بينما يحتاج الإنسان إلى الحركة، والخروج من المنزل، والإقدام على الأعمال في الخارج؛ فما معنى الجلوس في مكان واحد؟! لأنّ الإنسان يرغب في التنوّع وإبراز الوجود؛ فهذه هي المسائل اللازمة لحياته.
