
فلسفة خلق الشيطان
في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه لإكمال البحث عن فقرة «فَإذَا أَكْرَمَ اللَهُ الْعَبْدَ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ هَانَ عَلَيهِ الدُّنْيا، وَإبْلِيسُ، وَالْخَلْقُ ...»، تحدّث بدايةً عن بعض المسائل المرتبطة بالتقليد فيما يخصّ عِظم المسؤوليّة والالتزام تجاه دين الناس، وكذلك الشروط التي ينبغي توفّرها في المقلَّد، وضرورة تعرّف المقلِّد على أفكار المقلَّد وشؤونه المعنويّة ومستواه الإيمانيّ والتقوائيّ، لينتقل للحديث عن العمل الرئيسيّ للشيطان المتمثّل في الوسوسة، وبيان الهدف من هذه الوسوسة، ومن هم الذين يخضعون لها، والطريقة المثلى لمواجهتها؛ وذلك في ضمن استعراضه رضوان الله تعالى عليه لبعض القصص والنماذج لهذه المسألة المهمّة.
فلسفة خلق الشيطان
8الوسوسة العمل الرئيسيّ للشيطان
وأمّا المسألة التي أريد الحديث عنها اليوم، فتتمثّل في: إلى أيّ مدى ينبغي أن نأخذ الشيطان بالحسبان؟ وإلى أيّ حدّ يجب علينا أن نجعل هذه القوّة الشيطانيّة التي تدعو الإنسان إلى طريق معارض للرشد والصلاح محلّ اعتبار؟ وكم يتعيّن علينا أن نُفكّر فيه؟ وإلى أيّ مدى يلزمنا أن نجعل له مساحةً في أجوائنا وحساباتنا؟ فإذا سألنا كلّ واحد، فإنّ الجميع سيقول: يا سيّدي، إنّ الشيطان عبارة عن قوّة ومخلوق جاء ذكره حتّى في القرآن: {يٰا بَنِي آدَمَ لاٰ يَفْتِنَنَّكُمُ اَلشَّيْطٰانُ كَمٰا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ اَلْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمٰا لِبٰاسَهُمٰا لِيُرِيَهُمٰا سَوْآتِهِمٰا .. }؛۱ أي: يا بني آدم، لا يلقينّ بكم الشيطان في الفتنة والضلال والابتلاء؛ مثلما أوقع أباكم آدم وأمّكم حوّاء في هذا الابتلاء، وأخرجهما من الجنّة؛ حينما وسوس لهما: {فَوَسْوَسَ لَهُماَ الشَّيطانُ}، حيث يُراد من الوسوسة في هذا الآية تهيئة المقدّمات وإخطار نوع من الأفكار في الذهن بشكل مكرّر، والحركة في اتّجاه مخالف للحقيقة.
ألا تقولون: لقد أصبت بالوسواس وشعرت بالإغراء؟ فمن باب المثال، قد يكون الطعام الفلانيّ سيّئًا بالنسبة للإنسان ومضرًّا له، لكن، حينما ينتابه الجوع، ويوضع أمامه هذه الطعام، فإنّ يبدأ في القول: لقد أصبت بالوسواس وشعرت بالإغراء! فما المراد هنا من هذا الوسواس والإغراء؟ يعني أنّ ذلك الجوع سينضمّ إلى الطبع ورائحة الطعام وجودته، فتتعاون كلّ هذه الأمور لكي تُزيح عن نظر الإنسان تدريجيًّا تلك الحقيقة الواقعيّة والمستترة وتلك المصلحة، وتُحلّ محلّها تلك المفاتن المجازيّة؛ فهذا الذي يُقال عنه وسوسة وإغراء، حيث يبدأ الإنسان بالشعور بالرغبة: ما شاء الله! يا لها من رائحة! فما إن تُلامس رائحة [طيّبة] مشامّه، حتّى تنساق نفسه قليلاً إلى تلك الجهة؛ فهذا الذي يُقال له وسوسة.
ثمّ ينظر، فيرى: ما شاء الله! يا له من طعام! فتأتيه وسوسة وإغراء آخر؛ ثمّ يأتي على باله فجأة أنّ هذا الطعام مضرّ له، وأنّ الطبيب منعه من تناوله، فيقول: «إن أكلت منه مرّة واحدة، فلن أموت، ولن يحصل أيّ شيء، فلأتناول منه قليلاً، ولو لقمة واحدة! فمراد الطبيب ألاّ أملأ منه بطني، بينما أنا لن أتناول منه إلاّ ملعقة واحدة!»؛ فهذا الذي يُقال له وسوسة، وحلول عوامل الجذب الزائفة محل المبادئ والقضايا المنطقيّة في الذهن.
- سورة الأعراف، الآية ٢۷.
