
فلسفة خلق الشيطان
في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه لإكمال البحث عن فقرة «فَإذَا أَكْرَمَ اللَهُ الْعَبْدَ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ هَانَ عَلَيهِ الدُّنْيا، وَإبْلِيسُ، وَالْخَلْقُ ...»، تحدّث بدايةً عن بعض المسائل المرتبطة بالتقليد فيما يخصّ عِظم المسؤوليّة والالتزام تجاه دين الناس، وكذلك الشروط التي ينبغي توفّرها في المقلَّد، وضرورة تعرّف المقلِّد على أفكار المقلَّد وشؤونه المعنويّة ومستواه الإيمانيّ والتقوائيّ، لينتقل للحديث عن العمل الرئيسيّ للشيطان المتمثّل في الوسوسة، وبيان الهدف من هذه الوسوسة، ومن هم الذين يخضعون لها، والطريقة المثلى لمواجهتها؛ وذلك في ضمن استعراضه رضوان الله تعالى عليه لبعض القصص والنماذج لهذه المسألة المهمّة.
فلسفة خلق الشيطان
7لزوم كون المقلَّد مأمونًا على الدين والدنيا
يا عزيزي! لقد كان ذلك مجرّد ضربة واحدة! فقس ذلك على بقيّة الموارد الأخرى الأهمّ؛ وحينئذ: عليك، أن تتّبع الشخص الذي يتّصف بالأمانة، ويكون مستأمنًا من قبل الله تعالى على الدين؛ مثلما ورد في كلام الإمام عليه السلام في ذلك الزمان بخصوص زكريّا بن آدم المدفون في قمّ: «إنّه مأمونٌ على الدين والدنيا»؛ فإذا أودعتَه دينَك، فلن يخون الأمانة، ولن يُحدّثك بكلام مجانب للصواب، ولن يُخبرك بحكم خاطيء لأجل مصلحته، ويقول: «الظروف الحالية تقتضي أن نتحدّث بهذا النحو»! لا، بل سيُبيّن الحقّ، ولو كان في ضرره.
خلق را تقلیدشان بر باد داد *** ای دو صد لعنت بر این تقلید باد [يقول: لقد جعلَ التقليدُ الناسَ في مهبّ الرياح، فألف لعنةٍ على هذا التقليد].
فمن هو الذي يتعيّن تقليده؟ ذاك الذي يكون أمينًا على الدين والدنيا؛ فهكذا هي مسألة التقليد؛ وأمّا بالنسبة لما يقوله المعاصرون: «لا يوجد لدينا تقليد بتاتًا»، فهو هراء كلّه، وعبارة عن ترّهات؛ لأنّ العامّي ملزم بالرجوع إلى العالم؛ وعلى الذي لا يمتلك العلم أن يرجع إلى العالم؛ غاية الأمر أنّه عليه أن يعثر على عالم أمين؛ وأمّا أن نقول: «لا يوجد تقليد»، فهذا كلام تافه وباطل.
يقول الإمام الصادق عليه السلام في هذه الفقرة: إذا وفّق الله تعالى عبدًا لهذه الأمور الثلاثة: ألاّ يُدبّر شؤونه، حيث ينبغي أن يكون الرفقاء مطّلعين على هذه الأمور، ويجب عليهم تذكيري بها إذا نسيتها؛ فالأمر الأوّل هو ألاّ يُدبّر العبد شؤونه، والثاني أن يعدّ كافّة أمواله مملوكة لله تعالى، والثالث.. ماذا؟ أحسنت! يختصّ باشتغاله، حيث غاب عن بالي هذا الأمر؛ فينبغي أن يكون اشتغاله بالأوامر والنواهي الإلهيّة. فإذا وفّق الله تعالى أحدًا لهذه الأمور الثلاثة: هان عليه الدنيا؛ فتصير الدنيا هيّنة وسهلة بالنسبة إليه، ولا يعُد يغتمّ لها، فلتذهب الريح بهذه الدنيا، أو ليحلّ زلزال، أو لتقع الدنيا في مهبّ الريح، وليكن ما يكون! وهكذا أيضًا بالنسبة لإبليس.. هذه الشخصيّة المميّزة التي لم يخلق الله تعالى لها نظير في عالم البشريّة، مع أنّه لا يتوفّر على جهة بشريّة؛ ولهذا؛ فإنّ المراد هنا صفاته المميّزة؛ والأمر الثالث هم الخلق والناس، فلا يعُد ارتباطه بالناس صعبًا، بل سيضعهم في مكانتهم الخاصّة.
