
فلسفة خلق الشيطان
في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه لإكمال البحث عن فقرة «فَإذَا أَكْرَمَ اللَهُ الْعَبْدَ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ هَانَ عَلَيهِ الدُّنْيا، وَإبْلِيسُ، وَالْخَلْقُ ...»، تحدّث بدايةً عن بعض المسائل المرتبطة بالتقليد فيما يخصّ عِظم المسؤوليّة والالتزام تجاه دين الناس، وكذلك الشروط التي ينبغي توفّرها في المقلَّد، وضرورة تعرّف المقلِّد على أفكار المقلَّد وشؤونه المعنويّة ومستواه الإيمانيّ والتقوائيّ، لينتقل للحديث عن العمل الرئيسيّ للشيطان المتمثّل في الوسوسة، وبيان الهدف من هذه الوسوسة، ومن هم الذين يخضعون لها، والطريقة المثلى لمواجهتها؛ وذلك في ضمن استعراضه رضوان الله تعالى عليه لبعض القصص والنماذج لهذه المسألة المهمّة.
فلسفة خلق الشيطان
3حينما كان المرحوم العلاّمة يقول إنّ التقليد من القلادة، فإنّ ذلك يعني وضع القلادة في العنق، وإلقاء الزمام في يد الغير؛ فعندما يُقلّد أحد شخصًا آخر، فإنّ المراد من ذلك: لقد فوّضت إليك ديني ومالي ونفسي وعرضي؛ فهذا هو معنى التقليد. فترانا ما إن نحسّ بألم يسير في الرأس، حتّى نظلّ نبحث طيلة أسبوع، إلى أن نعثر على أفضل طبيب، ونذهب عنده؛ وإن شعرنا بقليل من الألم في البطن، فإنّنا لا نُصغي إلى أيّ أحد مهما قال؛ ومع ذلك، تجد البعض يُريد [تسليم] دينه [لأيٍّ كان]؛ وفي هذه الحالة، هل أدركنا كم صارت المبادئ مختلفة؟ وكم أضحى فهم القواعد واستيعابها منحطًّا؟ فيكفي أن يأتي شخصان، ويقولا: «فلان أعلم»، وينتهي الأمر! على الإنسان أن يودع دينه وماله ونفسه وعرضه لشخص يكون مستأمنًا من قبل الله تعالى، حتّى إذا جاء يوم القيامة، يكون هذا الشخص مسؤولاً عن كافّة القضايا التي تحصل له طيلة حياته.
عظم المسؤوليّة والالتزام تجاه دين الناس
قبل عدّة سنوات، حصلت مسألة معيّنة، وقد ذكرتها لأحبّةٍ كانوا قد جاؤوا من طهران، وتذكّرتها الآن، فارتأيت أن أقصّ على الرفقاء هذه المسألة التي حدثت للمرحوم العلاّمة، لتتّضح مدى صعوبة تحمّل المسؤوليّة والالتزام تجاه دين الناس، وسنتطرّق إلى هذا البحث عند الوصول إلى الفقرة التي يقول فيها الإمام عليه السلام: «فِرَّ مِنَ الْفُتْيَا فَرارَکَ مِنَ الْأَسد»؛۱ أي اهرب من الفتيا كما تهرب من الأسد المفترس؛ كأن تذهب إلى حديقة الحيوان مثلاً ـ وقد حدث ذلك فعلاً ـ ، فيُفتح باب القفص، ويخرج منه أسد؛ فحينئذ، ما هي الحالة التي ستشعر بها؟ فكّروا في الأمر قليلاً! هذا، مع أنّني أقول هنا للأحبّة والفضلاء ولأعزّائي إنّ هذه المسألة تجري بعموميّتها وملاكها في بقيّة الأمور أيضًا، بل حتّى إذا نقّحنا ملاك هذه المسألة ومناطها، فإنّ بوسع كلّ واحد الشعور بها في نطاق مسؤوليّته الشخصيّة. فافرضوا الآن أنّ باب ذلك السياج والقفص قد فُتح فجأة، وخرج منه أسد، فما هي الحالة التي ستشعرون بها؟ يقول الإمام عليه السلام: حينما تُريد إفتاء الناس، استشعر هذه الحالة في نفسك؛ أي: فرّ من الفتوى مثلما تفعل عندما يُفتح باب حديقة الحيوان، فيخرج منها أسد، حيث ستتحيّن أيّة فرصة للفرار؛ فإذا وجدت شجرة أو عمودًا، ستسعى لتسلّقهما، وسترغب في الطيران أو الإلقاء بنفسك في الماء، أو الاختباء تحت الأرض؛ وهذا أمر واضح؛ لأنّك ترى أسدًا يأتي:
- يقول الإمام الصادق عليه السلام في حديث عنوان البصريّ: «وَاهْرُبْ مِنَ الْفُتْيَا هَرَبَكَ مِنَ الاْسَدِ».
