
فلسفة خلق الشيطان
في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه لإكمال البحث عن فقرة «فَإذَا أَكْرَمَ اللَهُ الْعَبْدَ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ هَانَ عَلَيهِ الدُّنْيا، وَإبْلِيسُ، وَالْخَلْقُ ...»، تحدّث بدايةً عن بعض المسائل المرتبطة بالتقليد فيما يخصّ عِظم المسؤوليّة والالتزام تجاه دين الناس، وكذلك الشروط التي ينبغي توفّرها في المقلَّد، وضرورة تعرّف المقلِّد على أفكار المقلَّد وشؤونه المعنويّة ومستواه الإيمانيّ والتقوائيّ، لينتقل للحديث عن العمل الرئيسيّ للشيطان المتمثّل في الوسوسة، وبيان الهدف من هذه الوسوسة، ومن هم الذين يخضعون لها، والطريقة المثلى لمواجهتها؛ وذلك في ضمن استعراضه رضوان الله تعالى عليه لبعض القصص والنماذج لهذه المسألة المهمّة.
فلسفة خلق الشيطان
20ولهذا، كان المرحوم السيّد الحدّاد رضوان الله تعالى عليه يقول: «إنّ الشيطان لا يعتريه الخوف أبدًا، وعلى الإنسان أن يجلس إلى جانب قلبه، وما إن يسعى الشيطان للتسلّل إليه، حتّى يضربه بالخنجر، ويقضي عليه»؛ فهو كان يهدف من كلامه إلى القول ...؛ أي أنّ سرّ الجواب عن الإشكالات التي كانت تُطرح أحيانًا على كلامه هذا يرجع إلى أنّ الشيطان عبارة عن وسيلة لظهور وبروز نقاط الضعف المكنونة فينا؛ ولو أنّ الشيطان لم يكن موجودًا، لظللنا نُعاني من نقاط الضعف هذه إلى يوم القيامة، ولما تمكّنا من التقدّم خطوة واحدة. فالإنسان لا يستطيع أن ينام في الليل، ثمّ يستيقظ في الصباح، وقد وُضع على رأسه تاج الولاية، وأوصل إلى مقام «لي مع الله»؛ لا، هذا غير صحيح! فحينما تنام في الليل، فإنّهم لا يهتمّون لحالك إلى أن يحلّ الصباح؛ فهناك يبدؤون بالاهتمام بشؤونك؛ إذ ما إن نستيقظ في الصباح من النوم، حتّى يبدأ شغلنا مع الله تعالى والملائكة، فيسألوننا: لماذا نطقت بذلك الكلام؟ لماذا فعلت كذا؟ لماذا أقدمت على ذلك العمل؟ لماذا تقوم بهذا العمل؟ فتأتي هذه المسائل الواحدة تلو الآخرى، وتبدأ الأرضيّات ...
فتجد الرفقاء والأحبّة والأشخاص من هنا وهناك يبعثون لي بالرسائل، ويقولون لي: «لماذا يا سيّدي تناتبنا حالة الغضب؟»؛ لا معنى لهذا السؤال، فأنت تمتلك الأرضيّة والقابليّة لذلك، ولا ينبغي عليك أن تغضب! ويسألون أيضًا: «لماذا يخدعنا الشيطان؟»؛ لا، لا وجود للخداع هنا؛ فما إن يرغب في خداعك، حتّى ... {اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا إِذٰا مَسَّهُمْ طٰائِفٌ مِنَ اَلشَّيْطٰانِ تَذَكَّرُوا...}؛۱ فالآية القرآنيّة تقول: حينما يريد طائف من الشيطان أن يأتي، فما إن يسعى للعثور على نافذة للتسلّل منها، ويجد تلك الأرضيّة لكي يدخل عبرها، حتّى يرى أنّه لا يستطيع، فينهزم، فيدخل عبر أحد الطرق، فيرى بأنّه لا يقدر؛ وهكذا، إلى أن يجد فجأة طريقًا آخر للدخول، فتجد ذلك الإنسان يقول: «سأرتكب هذه المعصية، وألجأ إلى هذه الكذبة، وألقي هذا البهتان»؛ في حين أنّه في البداية كان يقول: «يا للعجب، إنّ البهتان حرام، ولا يُمكنني اقترافه!»، فيجيء الشيطان، ويبدأ يطوف به، ويقول: «ألق هذا البهتان، وستتقدّم إلى الأمام يا عزيزي، ولا ضير في ذلك»، لكنّه لا ينجح، ثمّ يقول له: «ارتكب هذه المعصية»، وبعد ذلك، يلتفت فجأة إلى انفتاح أرضيّة أخرى: «حسنًا، إذا لم أقدم على هذا العمل، فكيف لي تحقيق توقّعات زوجتي وأولادي؟»؛ لاحظوا، فقد جاء الشيطان عبر أرضيّة الزوجة والأولاد؛ ثمّ يبدأ بالتفكير في نفسه، ويقول: «هل يعني ذلك أن أسترزق من المال الحرام، وأنفقه على زوجتي وأولادي؟ هل يُمكن لذلك أن يحصل؟ هل يجوز أن أرتكب هذه المعصية؟»؛ فيبدأ بتقليب الأمور في نفسه؛ ثمّ يتخلّى عن هذه المسألة أيضًا، ويقول: «لا، لقد بقيت إلى الآن صامدًا، وعليّ أن أفعل الشيء ذاته بالنسبة لهذه المسألة»، فيتقدّم إلى الأمام، فيأتي الشيطان، ويقول له: «حسنًا، إذا لم تُقدم على هذا الفعل، ستفقد مكانتك، ومن الممكن أن يأتي فلان، ويُمسك بزمام الأمر، ولن يأتي عندك حينئذ أيّ أحد في المستقبل»؛ فنجد الشيطان يطوف ويطوف، إلى أن يتمكّن من طرح الإنسان أرضًا في أحد المواضع؛ فنراه يُقدم على ذلك الفعل.
- سورة الأعراف، الآية ٢۰۱.
