
فلسفة خلق الشيطان
في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه لإكمال البحث عن فقرة «فَإذَا أَكْرَمَ اللَهُ الْعَبْدَ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ هَانَ عَلَيهِ الدُّنْيا، وَإبْلِيسُ، وَالْخَلْقُ ...»، تحدّث بدايةً عن بعض المسائل المرتبطة بالتقليد فيما يخصّ عِظم المسؤوليّة والالتزام تجاه دين الناس، وكذلك الشروط التي ينبغي توفّرها في المقلَّد، وضرورة تعرّف المقلِّد على أفكار المقلَّد وشؤونه المعنويّة ومستواه الإيمانيّ والتقوائيّ، لينتقل للحديث عن العمل الرئيسيّ للشيطان المتمثّل في الوسوسة، وبيان الهدف من هذه الوسوسة، ومن هم الذين يخضعون لها، والطريقة المثلى لمواجهتها؛ وذلك في ضمن استعراضه رضوان الله تعالى عليه لبعض القصص والنماذج لهذه المسألة المهمّة.
فلسفة خلق الشيطان
18يقول له الإمام: «إن صادروا أموالك، فإنّني سأهبك بستانًا من بساتيني التي أملكها بالمدينة»؛ انظروا، فالشيطان أتى وأبرز تلك الأرضيّة، لكنّ الإمام الحسين أتى بدوره، وأبرز هذه الأرضيّة؛ فإذا كانت المسألة تخضع للحسابات، فإنّني أقول لك: صحيح، أنت لك تعلّق بالدنيا، لكن، لا ينبغي لتعلّقك هذا أن يصدّك [عن الحقّ]؛ فلا كلام لنا هنا عن أنّك متعلّق بالدنيا، وإلاّ، لما تفوّهت بذلك الكلام؛ ولهذا، من الواضح أنّ لديك تعلّق بالدنيا، لكن، لا ينبغي لهذا التعلّق أن يقف أمام المنطق؛ لأنّني أتحدّث معك بطريقة منطقيّة، حيث منحتك ذلك البستان، فصرنا متساويين، بل سأمنحك بستانًا أفضل؛ فنحن بأجمعنا نعرف الإمام الحسين، وأحواله واضحة بالنسبة إلينا؛ إذ كان يأتي عنده أحدهم، ويطلب منه عشرة دنانير، فيهبه الإمام عليه السلام ألف دينار؛ فهكذا كان الإمام الحسين، وهكذا كانت أحواله؛ فقام عليه السلام بتعويضه عن ذلك المال، وسحب منه ذلك المبرّر.
وفي هذه الحالة، يأتي بمبرّر أقوى، ويضعه أمام الحسين، فتبرز أرضيّة أخرى؛ وما هي هذه الأرضيّة؟ إنّها الرئاسة، فيقول له: «إذا لم أقدم على هذا الفعل، سيُسلب منّي حكم الريّ»! إنّه الحكم! وهو من الأمور الدسمة، والتي يصل زيتها إلى مخّ الإنسان! حيث بعث له ابن زياد برسالة يُخبرها فيها بأنّ المرور من الكوفة، والتوجّه إلى الريّ مشروط بإحضار رأس الحسين بن عليّ؛ وحينئذ، ما عسى الإمام الحسين أن يقول له؟ وبحقّ، ما الذي بوسعه أن يقول له؟ هنا، يقول له عليه السلام: أرجو ألاّ يصل قمح الريّ إلى فمك، ولا يتجاوز حلقك، أ فهل تريد أن تقتل إنسانًا بريئًا؟ ولا أقول هنا إنّه ابن رسول الله، فهل ترغب في إعدام إنسان بريء من أجل الوصول إلى السلطان؟ ولكي تتربّع على أريكة الحكم، هل يجب إعدام هذا البريء؟ (يقول: فليكن ذلك أيّها السيّد، وليُعدم مئات الآلاف فداءً لنا، حتّى نصل إلى الحكم)؛ أرجو ألاّ تأكل أبدًا من قمح الريّ.
انظروا إلى ما الذي يفعله هنا عمر بن سعد؛ فهو يمتلك عقلاً ووعيًا، وهو يرى أنّ هذه الأرضيّة المكنونة في وجوده بدأت تظهر وتبرز الآن، وعليه أن يقضي عليها فورًا، لكن، من الذي يدفعه للقيام بهذا العمل؟ إنّه الشيطان الذي يقوم بهذا الفعل، فيأتي هنا، ويستعرض أمامه نقاط الضعف المكنونة في وجوده.. {لِيُريَهما}: انظر، فأنت لديك أرضيّة وقابليّة حبّ الدنيا، ولديك أرضيّة وقابليّة حبّ الرئاسة، ولديك قابليّة حبّ البقاء، ولديك قابليّة حبّ الاستمتاع بأيّة طريقة، وتجاوز الحدود، والتعدّي على الحقوق؛ وإلاّ لبقيت جالسًا في بيتك، وعشت حياتك؛ إذ لو بقيت جالسًا في الكوفة بتلك الأوضاع الخاصّة، أو ذهبت إلى المدينة إذا لم تكن قادرًا على المجيء إلى الكوفة بسبب ابن زياد، فإنّ نفس النهار والليل سيمضيان عليك؛ لأنّك ستكون قاعدًا في بيتك، ولن يسقط السقف على رأسك؛ وفي هذه الحالة، ما هو الفارق بين أن تجلس في منزلك، وبين أن تجلس على أريكة الحكم؟ وكم كيلوغرامًا سينضاف إليك؟ لن يوجد أيّ فارق؛ لأنّ الليل ذاته سيمضي عليك، والنهار ذاته سيمضي عليك، وستتناول نفس الخبز والأرز والطعام، وستمشي في نفس الطريق.
