
فلسفة خلق الشيطان
في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه لإكمال البحث عن فقرة «فَإذَا أَكْرَمَ اللَهُ الْعَبْدَ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ هَانَ عَلَيهِ الدُّنْيا، وَإبْلِيسُ، وَالْخَلْقُ ...»، تحدّث بدايةً عن بعض المسائل المرتبطة بالتقليد فيما يخصّ عِظم المسؤوليّة والالتزام تجاه دين الناس، وكذلك الشروط التي ينبغي توفّرها في المقلَّد، وضرورة تعرّف المقلِّد على أفكار المقلَّد وشؤونه المعنويّة ومستواه الإيمانيّ والتقوائيّ، لينتقل للحديث عن العمل الرئيسيّ للشيطان المتمثّل في الوسوسة، وبيان الهدف من هذه الوسوسة، ومن هم الذين يخضعون لها، والطريقة المثلى لمواجهتها؛ وذلك في ضمن استعراضه رضوان الله تعالى عليه لبعض القصص والنماذج لهذه المسألة المهمّة.
فلسفة خلق الشيطان
13فيأتي الشيطان، ويقول: {وَوَعَدْتُكُمْ}، ويشرع حينئذ في الضحك، ويقول: {وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ}؛ لكن، لماذا أخلفتكم؟ لأنّني أتيت في الأساس لأجل إضلالكم؛ مع أنّ الذي يرغب في إضلال الإنسان لا يُخبره عن مصالحه، والذي يسعى لإيقاعه في الانحراف لا يكشف له عن نقاط ضعفه، بل يُحاول أن يُزيّن له تلك المسائل التي تُخرجه عن المسار الصحيح؛ ولهذا، لن يكون وعد الشيطان صادقًا أبدًا.. {فَأَخْلَفْتُكُمْ}؛ أي أنّني وعدتك، لكنّني أخلفت وعدي، وأنت تعلم بذلك؛ {وَمٰا كٰانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطٰانٍ إِلاّٰ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي...}؛۱ فأنا لم أُمسك بخناقكم، وإلاّ، لكنتم عبارة عن موجودات مفتقرة للإرادة والاختيار، ولَحَقَّ لكم الاعتراض هنا؛ لكنّني لم أفعل ذلك، {إِلاّٰ أَنْ دَعَوْتُكُمْ}؛ فأنا دعوتكم، {فَاسْتَجَبْتُمْ لِي}؛ وأنتم استجبتم لدعوتي، {فَلا تَلُومُوني وَلوُموُا أَنْفُسَكُمْ إِنّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِ مِن ...}؛ فيأتي، وينأى بنفسه عن تلك الأمور وبكلّ بساطة، ويقول: «إنّني كفرت بكلّ ما قلت لكم، وتنصّلت عنه بأجمعه، وأنا أعترف الآن أنّ الله تعالى حقّ، والرسول حقّ، والإمام حقّ، وإمام الزمان حقّ، والقرآن حقّ، والأحكام الإلهيّة حقّ؛ ومع أنّني أتيت بعد وفاة الرسول بأولئك الخلفاء، وخدعتكم جميعًا بهم، إلاّ أنّني أقول الآن: إنّهم على باطل بأجمعهم، والحقّ مع الأئمّة الإثني عشر والمعصومين الأربعة عشر فقط، وإنّ الحقّ يتمثّل في الأحكام الواقعيّة، والحقّ يكمن في الصدق والصفاء والصراحة والعدالة والأخلاق والإنفاق والإيثار؛ وأمّا بالنسبة لما قلته سابقًا، فإنّني أتراجع عنه الآن؛ ففي ذلك الحين، بَلَيتُكُم بفلان، لكنّني أقول الآن إنّه على باطل، وسأذهب بنفسي، وأجلس بجانبه؛ وفي ذلك الحين، قلت لكم فلان [على حقّ]، لكنّني أقول لكم الآن: الحقّ مع عليّ، وسأذهب الآن بنفسي عند أولئك الذين كنت أزيّنهم لكم في الدنيا؛ فقد تخلّيت عن كلّ تلك الأمور».
الهدف من دعوة الشيطان ووسوته الكشفُ عن نقاط الضعف في الإنسان
وأمّا المسألة المهمّة هنا، فهي أنّ الله تعالى يقول: إنّ الشيطان لا يمتلك أيّة سيطرة أو هيمنة عليكم.. {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطٰانٌ عَلَى اَلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمٰا سُلْطٰانُهُ عَلَى اَلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَاَلَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ}؛٢ فسلطانه يجري على الذين سلكوا هذا الطريق، وخضعوا لولايته، ورضخوا لحكمه؛ فهؤلاء هم الذين يتسلّط عليهم الشيطان، وليس على المؤمنين؛ إذ ليس له سلطان على هؤلاء؛ إذن، ما هو العمل الذي يُنجزه في هذا العالم؟ يدعو وحسب؛ ولماذا يقوم بذلك؟ وهنا، نريد أن نلج للمسائل الدقيقة في البحث؛ فما هو الهدف من وراء تسلّط الشيطان ودعوته؟ الهدف من ذلك تسليط الضوء على نقاط الضعف التي يُعاني منها الإنسان من ناحية أخلاقيّة، وفي طريق بلوغه للفعليّات وتنمية الاستعدادات، حتّى يسعى لمعالجتها؛ فهذا هو الهدف من مجيء الشيطان، ونحن لا نعلم بالمسائل التي تحدث في باطننا؛ ومن هذه اللحظة، ستبدأ نظرة الرفقاء للشيطان تتغيّر تدريجيًّا؛ فإلى هذا الحين، كنّا نشتمه بكلّ أنواع الشتم، ونقول له ما نشاء؛ لكنّه سيقول لنا: ما هذا يا عزيزي؟! إنّ الإنصاف أيضًا جيّد! فأعطني حقّي أنا أيضًا! لا أن يكون كلّه ...؛ وهنا، سنقول له: لا، سنشتمك، وفي الوقت ذاته، سنعترف بتلك الأعمال والمهامّ والفوائد التي أجراها الله تعالى على يديك في النظام التربويّ.
- سورة إبراهيم، الآية ٢٢.
- سورة النحل، الآيتان ٩٩ و۱۰۰.
