
ما هو السير والسلوك الحقيقيّ؟ ومتى وأين تحصل آثاره؟
هل يمكن أن يطوى الطريق إلى الله بسرعة وسهولة؟ ما هي الخطوات المطلوبة في السير والسلوك؟ هل يحتاج السالك دائمًا إلى وصايا خاصّة أم تكفيه غالبًا الوصايا العامّة والكتب والمحاضرات؟ هل السير والسلوك هو لتغيّر الأحوال النفسيّة وحلّ مشكلات الحياة؟ كيف نقرأ القرآن؟ لماذا سافر المرحوم العلاّمة إلى مشهد وألّف كتبه؟ أسئلة تبحثها هذه المحاضرة ضمن شرح فقرة: هذه أولّ درجة التقى من حديث عنوان البصريّ.
ما هو السير والسلوك الحقيقيّ؟ ومتى وأين تحصل آثاره؟
2أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على نبيّنا أبي القاسم محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين واللعنة على أعدائهم أجمعين
خلاصة الأوامر الثلاثة لعنوان البصريّ
بعد أن بيّن الإمام الصادق الأوامر الثلاثة لعنوان فقال في الأول: ولا يطلب الدنيا تكاثرًا وتفاخرًا أي لا يطلب الدنيا لأجل التفاخر على الآخرين وبحثًا عن الزيادة وحبًّا للكثرة في أيّ مجال سواءٌ المال أو المقام، فمن كان مقامه في رتبةٍ يريد أن يرتقي إلى رتبةٍ أعلى، وإذا وصل إليها أراد أن يصل إلى أعلى منها فأهل الدنيا هكذا.
والثاني: ولا يطلب ما عند الناس عزًّا وعلوًّا فلا يتوقّع أن يكون لديه ما لدى الناس بل ينظر في أي شيءٍ يكون صلاحه وماذا قدّر الله له وماذا هيّأ، ما إن يرى شيئًا لا يتأوّه ولا يتحسّر من أعماق قلبه وإذا رأى مقامًا فلا يعتقد أنّ كافة آماله صارت في مهبّ الريح، إذا رأى مكانةً لإنسانٍ فلا يتحسّر. لماذا يجب أن يكون كذلك؟ لأنه يجب أن يرى كلّ هذا من الله ويرى كلّ شيءٍ مناسبًا لحاله.
ففي المستشفى يمكن أن يكون ثلاثة مرضى في غرفة واحدة ويُعطى كلٌّ منهم دواءً خاصًّا، أفهل يقول المرضى لماذا أعطى الطبيب هذا الدواء لذاك ولم يعطنيه؟ فيتحسّر على ذلك؟ كلاّ، لماذا أُعطي ذاك الدواء ولم يعطنيه، لا يتصوّرون هذا أصلاً، لماذا؟ لأنّهم يحددّون أنّ لكلّ مريضٍ مرضٌ مستقلٌّ ودواء مختلف يناسب ألمه فيوصي به الطبيب ويعيّن كميّته، فالطفل المريض يُعطى ربع ما يُعطاه الكبير فلا يقول لماذا يُعطى أبي ثلاثة حبّات أو حبّتين بينما أُعطى أنا أقل؟ يقولون: خذ هذه القبضة من الدواء لتموت؛ فلكلّ شيءٍ حدّه.
على السالك أن يجعل تصوّره حول الأمور الدنيوية هكذا وأنّ الله يجعل لكلّ إنسانٍ ما في صلاحه فإن صبر وتحمّل ورضي فبها، وإن رفض وحاول أن يتخلّص أضاع كافة استعدادته ولم يصل إلى شيء، هل الأشياء التي تعطى إلى الآخرين هي لصالحه أم لا؟ وهذا بنفسه موضوع مستقل.
الأمر الثالث الذي قاله الإمام الصادق عليه السلام لعنوان والذي كنّا نتحدّث حوله هو: ولا يدع أيّامه باطلاً. وقد تحدّثنا حول هذه الفقرة بنحوٍ مفصّل، وقد تقبّله الرفقاء بقبولٍ حسنٍ وأدركوه، ووصلنا إلى حدٍّ ما إلى ما يريده الإمام الصادق عليه السلام. هنا يُنهي الإمام الصادق الكلام ويقول: فهذا أول درجة التقى. فبعد هذه المرتبة، وبعد مراعاة هذه الأمور الثلاثة وما بيّناه لكم قبل هذا، يصل الإنسان للتوّ إلى أوّل درجة التقوى، أي إذا وصلنا إلى هنا حصلت للإنسان حالة التقوى.
