
كيف يعالج الإخلاص والخلوص ضياع العمر باطلاً؟
هل كان السيّد القاضي في مرتبة الإخلاص كالشهيد شمران أم في مرتبة الخلوص؟ ماذا فعل السيّد القاضي باللوحة الحجريّة باسمه على باب مسجد الكوفة؟ ما الفرق بين الإخلاص والخلوص؟ كيف يرفع كلّ من الإخلاص والخلوص ضياع العمر باطلاً؟ ما العلاقة بين الإخلاص واليقين والبحث والتدقيق؟ هل ينبغي التدقيق حتّى في كلام أولياء الله في بعض الموارد دون أن ينافي ذلك حجيّة كلامهم؟ هل ينبغي أن نرى الإمام حتّى نطيعه؟ هذه أهم الأسئلة التي تجيب عنها هذه المحاضرة ضمن شرح فقرة ولا يدع أيّامه باطلاً من حديث عنوان البصري، وبها ختام شرح هذه الفقرة.
كيف يعالج الإخلاص والخلوص ضياع العمر باطلاً؟
11هذه هي مرتبة الإمام عليه السلام، هذا ما عُلّمناه في مدرسة التوحيد والعرفان، فالإمام أقرب إليك من نفسك وإلى أفكارك من نفسك، هذا في مدرسة التوحيد. الإمام عليه السلام إلى جانبك ويراقبك، ولديّ حول هذا الأمر عن المرحوم الوالد ما لا يمكن إحصاؤه، فكيف بإمام الزمان عليه السلام؟! أكون جالسًا معه وفجأة أرى أنّه يقول أمرًا ويخبر.
في لقاء لنا مع سماحة آية الله الخامنئي في مشهد بعد وفاة المرحوم العلاّمة، حيث أحبّ أن يكون هناك لقاء معنا، فذهبنا إليه، وكان متأثّرًا جدًّا لذلك الحدث، وقال لنا: كما كتب والدكم كتابًا عن أستاذه، يجب عليكم أن تكتبوا أنتم كتابًا عنه مثل الروح المجرّد ـ وطبعًا لم نوفّق إلى الآن، وإن شاء الله أوفّق أن أبيّن إلى حدّ ما جانبًا ممّا رأيت وسمعت وجرّبت وعلى حسب حدود ذهني ونقصان فكري، وأقدّمه لمحبّي مدرسة أهل البيت والمشتاقين إلى حريم الولاية ضمن كتاباتي في أسرار الملكوت ـ وقال لنا هذا الأمر: أنا أقطع أنّ والدكم كان على اطّلاع بمسائل غيبيّة، لأنّي في اللقاءات التي كانت لي معه كان يخبرني أحيانًا أمورًا لا أحد غيري وغير الله مطّلع عليها. فهذا كلام إنسان عالم إنسان صاحب دراسة وليس إنسانًا جاهلاً.
ثمّ بعد ذلك لا نعتقد بهذا المقدار للإمام عليه السلام؟ نحن لا نعتقد للإمام بهذا المقدار؟ من يدري؟! من يعلم علم الغيب؟! علم الغيب لا يعلمه إلا الله! ماذا نستنج من ذلك وماذا نستفيد؟! فلنفترض أنّا جئنا وتكلّمنا بهذا الكلام الفارغ وأفسدنا أنفسنا، فلنترك هذا العناد والغرض. الإمام شيء آخر، وهو في أفق آخر. يقول الإمام الرضا: أوهام عقولكم. يعني عقولكم كلّها وهم وليست عقولاً، فمن الذي يمكنه أن يتناول مقام الإمامة والولاية؟ دعوا الكلام في هذا.
اليقين والإخلاص
فإذن لا بدّ أن يكون الإنسان مطمئنًّا إلى ما يصل إليه، عليه أن يعمل، هذا المقام مقام الإخلاص، كما يقول أمير المؤمنين عليه السلام، أن لا يكون هناك شريك غير الله في العمل الذي تقوم به، أن لا يكون هناك دخيل غير الله. على الإنسان أن يلتفت إلى ذلك في جميع الأعمال قبل القيام بالعمل وأثناءه. يقول الإمام: ولم يشغل قلبه بما ترى عيناه، ولا ينسى الله إذا سمعت أذناه شيئًا، عليه أن يصوّب نحو ذلك الهدف الذي جعله أمام عينيه، ولا يلتفت يمينًا وشمالاً، أن يكون له هدف واحد في ذهنه فيهبط فيه. فالذين يقودون الطائرة ماذا يصنعون؟ الهدف هو الوصول إلى مدرج معيّن، فيكون في مدينة معيّنة فلا يحدّد ذلك المدرج من البداية، بل أولاً يجعل النقطة الجغرافيّة التي يريد أن يصل إليها البلد كذا، فيقود الطائرة على أساس ذلك إلى أن يصل إلى ذلك البلد، فإذا وصل إليه فإنّه يحدّد المدينة ويجعل الدرجة من الطول والعرض الجغرافيين على تلك المدينة، وقبل أن يصل إليها بثلاثين كيلومتر يحدّد تلك النقطة التي يجب أن يهبط فيها فيجعل درجات الطول والعرض على أساسها، ولا يجعلها تختلف درجة واحدة يمينًا أو شمالاً، ثمّ إذا صار على بعد ثماني كيلومترات عندها يجب عليه أن يعيّن المدرج ويجعل الدرجة على أساسه، فإذا صار مقابلاً له يتّضح له أنّ عليه أن يهبط فيه، حتّى لو كان هناك مدرجان قريبان فلا يمكنه أن يهبط في المدرج الأيسر، لأنّ لكلّ من المدرج الأيمن والمدرج الأيسر برنامجه الخاص به ـ يوجد هنا من له اطّلاع على ذلك إن كنت مخطئًا فليصحّحوا لي ـ يأتي ويحدّد الدرجة بشكل دقيق بحيث أنّه لو أسدل ستارًا أيضًا ولم يرَ ما في الخارج فإنّه يحدّد الدرجة ويهبط، فهذا هو الشيعي لأمير المؤمنين. يأتي من ذلك البلد في تلك الجهة للكرة الأرضيّة ويهبط هنا بشكل دقيق، هذا هو الشيعي، يقول أمير المؤمنين الميزان الذي جعلته لك هو أن يكون الله في ذهنك، بما أنّ الله في ذهنك ما إن تريد أن تنحرف نحو هذا الاتّجاه أو ذاك فتذكّر وصحّح. ما إن يأتي ريح ويغيّر الاتّجاه، فصحّح الحركة لكي تأتي بشكل دقيق وتهبط هناك.
