
السير العقلاني والمراتب الوجوديّة الثلاث
هل يعني استغلال العمر الإكثار من العبادة والزهد الظاهر؟ هل يمكن لغير أولياء الله أن يطّلعوا على بواطن الناس؟ كيف تنفى البطالة في مراتب الظاهر والخيال والسرّ؟ لماذا صار أصحاب سيّد الشهداء عليه السلام نموذجًا؟ تجيب هذه المحاضرة على هذه الأسئلة ضمن سلسلة السلوك العقلاني من شرح فقرة ولا يدع أيّامه باطلاً من حديث عنوان البصريّ
السير العقلاني والمراتب الوجوديّة الثلاث
5فانظروا كم الأمر عجيبٌ! وهذا الأمر بيّنه هؤلاء بأنفسهم الذين كانوا على صلةٍ به، ثمّ وبعد أن قويت علاقته بهم بدأ بالكلام ضدّ المرحوم العلامة، فعندما شعر أنّه صار صاحب موقع عندهم وإذا تكلّم فإنّ كلامه مقبول بدأ بالكلام، ولكنّه كان قد استعجل بهذا الكلام لأنّه كان قد بقي هناك مقدارٌ ما حتّى تحصل الثقة، كان ينبغي أن يصبر سنتين أو ثلاثًا، إلا أنّه استعجل فتفرّق عنه هؤلاء المريدون فلم يصل إلى هنا ولا إلى هناك.
اللطيف هو أنّه من هو الذي يمكن أن يميّز؟ أيّ واحدٍ من الناس؟ لا أقول من الرفقاء الحاضرين هنا، بل الذين كانوا هناك، فلو قلت لأيّ واحدٍ منهم لقال: كم كان محبًّا للعلامة! وكم كان يتعامل بلطف! ولكن عندما كنت ألاحظ حركات المرحوم العلامة في العلاقة معه كنت أرى أنّها بمستوى بسيط جدًّا ولا شيء فيها. فقد كان حاله واضحًا، كلّما كان يقترب من المرحوم العلامة كان المرحوم العلامة يجعل له حدًّا وحريمًا ويحافظ على موقعه. وهذا الأمر كان بالنسبة إلى الجميع لا بالنسبة إلى هذا وحده، فهذا كان واحدًا من الموارد التي رأيتها، كانت هناك موارد أخرى، فهذا واحدٌ منها وقد كنت أرى الكثير من الموارد المشابهة. حتّى أحيانًا كانت كيفيّة علاقة الأعاظم مع الناس تبعث على التساؤل عندنا، فمع أنّ هذا يبدي المحبّة والموّدة فلماذا لا يُشاهد من الطرف المقابل جوابٌ مناسبٌ له، كلّ هذه الكلمات التي تجري على لسانه وحركاته وسلوكه وكلامه وقول: ليتني أفديك بروحي، وأمثال ذلك، فلماذا لا يُشاهد من الأعاظم جوابٌ مناسب لهذا؟ لماذا؟ إنّه كان يلاحظ الباطن، كان يرى أنّ كلّ ذلك خدعةٌ ورياء ومكرٌ، كلّ ذلك نفاقٌ، كلّ ذلك للفت أنظار العوام، هو يرى ذلك في الباطن، غاية الأمر أنّ مقام الستر والإخفاء لا يسمح له أن يُعلن هذا الباطن وينظر إليه ويقول: أنت الآن إذ تبدي هذا الاحترام أمامي، ماذا قلت عني قبل ليلتين في ذلك المجلس مع فلان؟! لا يقول هذا، بل يمضي بنحوٍ من الأنحاء: أيّدك الله وسدّدك، وفّقك الله إن شاء الله، يتجاوز عن المسألة بهذا الشكل فيظنّ ذاك أنّه وصل إلى الغاية وسيطر على قلب ذلك الولي، ولكنّ قلبه هو العنقاء التي لا يمكن لأيّ إنسانٍ أن يصطادها ولا تقع في فخّ أيّ ذبابة، هكذا هي حقيقة المسألة.
