
السير العقلاني والمراتب الوجوديّة الثلاث
هل يعني استغلال العمر الإكثار من العبادة والزهد الظاهر؟ هل يمكن لغير أولياء الله أن يطّلعوا على بواطن الناس؟ كيف تنفى البطالة في مراتب الظاهر والخيال والسرّ؟ لماذا صار أصحاب سيّد الشهداء عليه السلام نموذجًا؟ تجيب هذه المحاضرة على هذه الأسئلة ضمن سلسلة السلوك العقلاني من شرح فقرة ولا يدع أيّامه باطلاً من حديث عنوان البصريّ
السير العقلاني والمراتب الوجوديّة الثلاث
17أذكر أنّي كنت في زيارة كربلاء بحضور المرحوم العلاّمة والسيّد الحدّاد، ورحم الله جدّنا السيّد معين الشيرازي فقد كان هناك أيضًا. وهذه الزيارة التي في مفاتيح الجنان أنّ إمام الزمان عليه السلام يأتي ويقف إلى جانب قبور الشهداء من جهة أقدامهم ـ رزقنا الله جميعًا ـ وهناك يقرأ الإمام زيارة عجيبة جدًّا، زيارة يدرك الإنسان من خلالها أيّ مقام كان لهؤلاء. حيث يقول الإمام لهم: السلام عليكم يا أولياء الله وأحباءه. السلام عليكم يا من صاروا أولياء لله فأنتم من أولياء الله. السلام عليكم يا أصفياء الله وأودّاءه. يا من اختيروا وانتخبوا. ثمّ يقول: بأبي أنتم وأمّي.۱ أي فداكم أبي وأمي، فهذا ليس كلامنا نحن، هذا ما يقوله الإمام عليه السلام، قد كان هذا الأمر عجيبًا جدًّا بالنسبة إلى جدّنا، فقد جاء إلى هناك وكان يقول: ينبغي أن لا يكون هذا كلام الإمام، فلا يمكن أن يقول: بأبي أنتم وأمّي، ولكن ليس الأمر هكذا، فهؤلاء عندما اتّصلوا بسيّد الشهداء صاروا هم سيّد الشهداء، أي إنّ تلك الولاية تأتي وتجعلهم فانين فيها، ويصبحون متّحدين معه، فإذن تحت قبّة سيّد الشهداء حقيقةٌ واحدة هي الإمام الحسين، وقد استوعبت فيها جميع هؤلاء ومحتهم وأفنتهم.
فنظر إليه المرحوم العلامة وقال: كلاّ، ليس الأمر هكذا، حيث إنّ هؤلاء هنا فهم متّحدون مع الإمام الحسين، فكأنّ إمام الزمان عليه السلام يقول للإمام الحسين: بأبي أنت وأمي فهذا لا إشكال فيه. لأنّ الإمام لا ينظر إلى الفرد ويقول له يا من هو منفصل عن سيّد الشهداء أنا أخاطبك، فالمنفصل عن سيّد الشهداء لا معنى له ولا قيمة، يا من جاء وأفنى نفسه وصار واحدًا بما أنّك صرت واحدًا فبأبي أنت وأمي، بما أنّه حصل الاتحاد فبأبي أنت وأمي، هذه هي حقيقة المسألة فانظروا كم هو الأمر مهمٌّ أن يجعل الإنسان حقيقة ذاته وحقيقة سرّه متصلةً.
كان الهدف اليوم أمرًا آخر، كما هو الحال في سائر الوعود التي كنّا نقطعها ولكن يبدو أنّ الوقت قد انتهى. وإن شاء الله تتمة الكلام حول كيفيّة وصول الإنسان إلى طهارة السرّ التي هي نتيجة بحثنا ونتيجة كلام الإمام الصادق عليه السلام حين قال: ولا يدع أيّامه باطلاً، لفرصةٍ أخرى إن شاء الله. نسأل الله أن يجعلنا من شيعة أئمتنا ومواليهم وأتباعهم وأتباع منهج الإمام عليه السلام بقيّة الله أرواحنا فداه وأن لا يجعل يد ولاية هذا العظيم ترتفع عنّا في لحظةٍ من اللحظات وأن لا يحرمنا في الدنيا من زيارته وفي الآخرة من شفاعته.
- مصباح المتهجّد، الشيخ الطوسي، ۷٢٢.
