
السير العقلاني والمراتب الوجوديّة الثلاث
هل يعني استغلال العمر الإكثار من العبادة والزهد الظاهر؟ هل يمكن لغير أولياء الله أن يطّلعوا على بواطن الناس؟ كيف تنفى البطالة في مراتب الظاهر والخيال والسرّ؟ لماذا صار أصحاب سيّد الشهداء عليه السلام نموذجًا؟ تجيب هذه المحاضرة على هذه الأسئلة ضمن سلسلة السلوك العقلاني من شرح فقرة ولا يدع أيّامه باطلاً من حديث عنوان البصريّ
السير العقلاني والمراتب الوجوديّة الثلاث
16لقد كانوا يتسابقون (ويتسابقون إلى الموت) ۱، لقد كان يتقدّم أحدهم كيلا لا يتأخر عن القافلة، لا قدّر الله أن يحصل بداءٌ ويقول له الإمام الحسين: ارجع أنت، لا قدّر الله يحصل بداءٌ ويقول الإمام: كلا أنت لا حاجة لأن تكون معنا، أن يحصل أمرٌ ما ومانعٌ. وقد كانوا قلقين خائفين قبل أن تسقط أبدانهم على الأرض، كانوا قلقين خائفين أن لا قدّر الله يحصل أمرٌ ما.
ما هو الشعور الذي كان لدى أصحاب سيّد الشهداء؟ واقعًا ماذا كانت حقيقة الأمر؟ فزهير الذي لم يكن يذهب إلى الإمام الحسين ثمّ يذهب إليه ثمّ يرجع على حال آخر، تتغيّر طبيعته وفطرته، مسّته مادّة الإكسير فحوّلت نحاسه إلى ذهب، فجاء إلى الإمام الحسين وقال: نحن أخوان فلنذهب. إلى أين نذهب؟٢ يأتي ويقول لو قتلوني ألف مرّة وأحرقوني وذرّوا رمادي في الهواء ثمّ أحيوني من جديد فهذا موقفي. ما هو الأمر الذي أدركه؟ هو في أيّة مكانة؟ لقد وصل إلى طهارة السرّ، فطهارة السرّ هي هذه. أي لا يخطر في أذهان أصحاب سيّد الشهداء بعد ذلك خطور مخالف لمسير الهدف، ولو قتلوا أنفسهم فلا يتأتّى منهم ذلك لا يتأتّى. وما دام لا يتأتّى فماذا يصنعون؟ لو قتلوا ألف مرّة ومليون مرّة وألف مرّة فلا شيء. لو قطّعوهم إربًا إربًا بل لو أحرقوهم جميعًا فلا شيء، فأصحاب سيّد الشهداء وصلوا إلى مرتبة بحيث اتّحدوا في طهارة السرّ مع سيّد الشهداء.
وهذا معنى قول أمير المؤمنين عليه السلام في كلامه العجيب: هنا مناخ ركاب ومصارع عشّاق.٣ هذا هو المكان الذي يسقط فيه العشّاق لا البشر المتعارفون، لا كلّ من حمل بيده علمًا، كلاّ! سيسقط هنا من اتّحد سرّه بسرّ ولدي الحسين، صار شيئًا واحدًا مع حقيقته، اتّحد مع نفسه، لذلك فإنّ زهيرَهُ صار متّحدًا معه، وبريرَهُ صار متّحدًا معه، وذلك الغلام التركيّ صار متّحدًا معه، والحرّ بن يزيد الرياحيّ في تلك الساعة الأخيرة يأتي ويتّحد مع ذلك السرّ. فانظروا ماذا يفعل إكسير الإمام الحسين هذا، ما إن يأتي ويمسّ هذا فإنّه لا يغيّره فحسب، بل يجعله متّحدًا معه. فاذهبوا وتوسّلوا بقبر الحرّ فكأنّكم توسّلتم بسيّد الشهداء بلا أيّ فرق، اذهبوا وتوسّلوا بحبيب بن مظاهر فكأنّكم توسّلتم بسيّد الشهداء بلا أي اختلاف، بلا أيّ فرق.
- . حياة الإمام الحسين عليهالسّلام، ج ۱، ص ۸.
- وقعة الطف، ص ۱٩٩.
- تهذيب الأحكام، ج ٦، ص ۷٣ و كامل الزيارات، ص ٢۷۰: خرج أميرالمؤمنين عليه السّلام يسير بالناس حتى اذا كان من كربلاء ... ثمّ قال ... فأَنشَأَ يقول مُناخُ ركابٍ و مَصارِعُ شهداء .... ولکن في بحار الأنوار، ج ٤۱، ص ٢٩٥ باختلاف یسیر بدلاً من مصارع شهداء مصارع عشاق.
