
السير العقلاني والمراتب الوجوديّة الثلاث
هل يعني استغلال العمر الإكثار من العبادة والزهد الظاهر؟ هل يمكن لغير أولياء الله أن يطّلعوا على بواطن الناس؟ كيف تنفى البطالة في مراتب الظاهر والخيال والسرّ؟ لماذا صار أصحاب سيّد الشهداء عليه السلام نموذجًا؟ تجيب هذه المحاضرة على هذه الأسئلة ضمن سلسلة السلوك العقلاني من شرح فقرة ولا يدع أيّامه باطلاً من حديث عنوان البصريّ
السير العقلاني والمراتب الوجوديّة الثلاث
13إنّ تصحيح الخيال ينشأ عن هذا، فبالنسبة إلى أولياء الله أصلاً لا يأتي خيال هذا الأمر إلى أذهانهم وأنّهم يريدون أن يرتكبوا هذا الحرام ثمّ يمتنعون عنه، لو قتل نفسه لما حصل لديه هذا الخيال، فإمام الزمان عليه السلام مهما فعل ليرتكب الحرام فإنّه لا يخطر في ذهنه لكي يصدر عنه، هذا المقام مقام المخلَصين، وهو يختلف عن مقام الإخلاص، الإخلاص فعلنا نحن، يأتي فعل الحرام إلى الذهن فنعيده، يأتي فعل العبث إلى الذهن فنردّه، لا يرضي الله ويسبّب سخط الله وعدم رضاه وغضبه فنردّه. لا إشكال علينا أن نفعل ذلك، نحن لم نقل: علينا أن نكون مثل إمام الزمان ولن نكون، إن شاء الله تحت تبعيّته وبولايته وعنايته سيُدخلنا في تلك الولاية إن شاء الله. نحن يجب أن نقول إن شاء الله لأنّه إن لم يفعل ذلك فماذا سيفعل، ففي النهاية نحن شيعته أم لا؟ هو يجب أن يأتي ويصحّح أعمالنا الخاطئة، فهذا هو عمل الإمام في النهاية، فعمل الإمام هو أن يأتي إلى الشيعة والمحبّين ويقول: ليكن عندك اثنان بالمائة على الأقل وأنا أجعلها خمسة، ليكن عندك عشرة بالمائة وأنا أجعلها ثلاثين، أزيدها، لم يريدوا منّا إلا هذا القليل من المحبّة، القليل من الإخلاص، القليل من المودّة وإذا ما وصلنا إلى هذه المرتبة فإنّما وصلنا بعناية الإمام فقط ولا أثر لشيءٍ آخر هنا، ولن يكون هناك أثرٌ، فقط عناية الإمام عليه السلام بلا تردّد.
ففي وليّ الله وفي إمام الزمان أصلاً [لا يحصل ذلك]، وهذا هو الفرق بين الإمام وغيره. فعند الإمام عليه السلام لا يحصل خيال الالتفات إلى النفس كي يردّه. لا يحصل الالتفات إلى الدنيا ومنافعه الشخصيّة لكي يزيله. لو حصل لما كان إمامًا بل كان مثلنا بلا أيّ فارق، لا يختلف عنّا، فردٌ من الناس في أيّ مرتبة كنّا.
الآن عمري ما يقارب الخمسين سنة وقد قرأت بعض الكتب أيضًا ودرست بعض الدروس، وأدرّس بعض الدروس أيضًا، ولديّ بعض الأعمال، فهل انتهى الأمر؟ كلا، لم ينته، فعندي أيضًا يحصل التفكير في الذنب وتحصل الأمور الخاطئة، وذهني متعلّقٌ بألف أمرٍ، وإن كنت ماهرًا جدًّا أتغلّب عليها ، فإذا حصل في ذهني شيءٌ من ذلك أردّه، إذا حصل خطأٌ في ذهني أصحّحه، عندما أرى أمرًا ما أجعل نفسي مكان الآخرين وأجعل الآخرين مكاني، أشعر أنّ هذا الأمر كان خاطئًا فأصحّح، هل الإمام مثلي أيضًا؟ كلا، أبدًا أبدًا. في أيّ شيءٍ الإمام مثلي؟ عمري خمسون الآن فلو صار ثمانين لم أتغيّر، ولو صار مائة سنة لحيتي الآن سوداء وبيضاء ثمّ بعد ذلك تصبح كلّها بيضاء وتصل إلى هنا، لم يختلف الأمر، أُمسك بيدي عصا وتكون هيئتي على نحوٍ يبدو للناس أنّ أمري قد انتهى، فمن هو الخبير بهذا الباطن؟ من؟ من هو الخبير بوضعي؟ صار عمري ثمانين سنةً فهل صحّ باطني أم لا؟ بل تنازل باطني وتراجع وأفل؟ لأنّه كلّما تقدّم الإنسان في العمر زاد تعلّقه بالنفس والتعلقات النفسيّة، لذلك يقولون إنّ الشباب يسيرون بشكلٍ أفضل، وتعلّقهم بالدنيا أقلّ، فالشاب لا تعلّق له، تعلّقه بالدنيا يسير، ونفسانيته أقلّ.
