
السير العقلاني والمراتب الوجوديّة الثلاث
هل يعني استغلال العمر الإكثار من العبادة والزهد الظاهر؟ هل يمكن لغير أولياء الله أن يطّلعوا على بواطن الناس؟ كيف تنفى البطالة في مراتب الظاهر والخيال والسرّ؟ لماذا صار أصحاب سيّد الشهداء عليه السلام نموذجًا؟ تجيب هذه المحاضرة على هذه الأسئلة ضمن سلسلة السلوك العقلاني من شرح فقرة ولا يدع أيّامه باطلاً من حديث عنوان البصريّ
السير العقلاني والمراتب الوجوديّة الثلاث
12يريد الإنسان أن يرتكب محرّمًا وعملاً مخالفًا للعفّة، يرى هذا العمل في ذهنه وفي نفسه مناسبًا جدًّا ومنسجمًا مع النفس ولذائذها، ولكن بمجرد أن يريد أن يفعل ذلك يأتي الخوف والخشية من الله ويمنعانه. أيضًا جزاه الله خيرًا إذ توقّف هنا وإن كان تخيّلُ هذا الأمر يخطر في ذهنه، هذا الخيال لأيّ شيءٍ هو؟ لماذا يحصل في الذهن؟ لأنّ الخيال لم يُصحّح بعد، لأنّ الفكر لم يصحّح بعد. أمّا عند ولي الله فحتّى هذا الخيال لا يأتي أصلاً.
هل يمكن أن يتخيّل الله قصد السوء لبعض عباده؟ كلا، هل هذا ممكنٌ؟ كلا. هذا أمرٌ مضحكٌ، كيف يريد الله لعبدٍ من عباده سوءًا ولعبدٍ آخر خيرًا؟ الجميع بالنسبة إلى الله سواء، النبيّ والإنسان العاديّ سواءٌ. هذا هو بنفسه ارتفع وارتقى ووصل إلى تلك المرتبة، ولكن هل هناك عند الله فرقٌ بين النبيّ والإنسان العادي؟ أبدًا، كلاهما عبدان لله، هل هناك اختلاف بين النبيّ وبين نملةٍ؟ وبين حيوانٍ ضعيف؟ أبدًا، فبنفس المستوى من إعمال الله للإرادة والمشيئة والقدرة في خلق ذرّةٍ تراها الآن في النور ـ هذه الذرات المعلّقة التي في النور خذوا ذرّةً منها فلو كان النور يسطع من النافذة إلى داخل الغرفة، وكانت الغرفة فيها غبارٌ وتراب فيكون أفضل ، فهناك ذرّاتٌ تتحرّك لا حظوا واحدة منها ـ القدرة التي خلق بها الله هذه الذرّة هي بعينها خلق بها النبيّ، بعينها بلا أيّ فرقٍ.
إرادة الله ومشئيته بالنسبة إلى الموجودات في العالم واحدة،{ إنّما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون}۱. فإذا أراد الله أن يخلق شيئًا فقط يقول: كن. سواءٌ كان النبيّ أو أمير المؤمنين أو إمام الزمان أو ذرّةً. لا يختلف الأمر في هذا المجال. الأمر يرتبط بما تعلّقت به الإرادة، أمّا الإرادة نفسها فواحدة. وليس حاله كحالنا، فلو أردت أنا أن أحمل هذا الكوب أصرف خمسًا من السعرات الحراريّة حتّى أحمله، أو لكي آخذ هذه النظّارة من هنا أصرف سعرتين، كلاّ، ليس الأمر كذلك، وأنّه لأنّ وزن هذا قليل فيحتاج إلى سعرتين، أمّا وزن هذا الكوب فخمسة، فليس هكذا. بالنسبة إلى الله سعرةٌ واحدة هذه الذرّة احتاجت إلى سعرةٍ واحدة، وخلقُ أعظم الكواكب أيضًا احتاج إلى سعرةٍ واحدة. الكوكب عظيمٌ لا إرادته، النبيّ عظيمٌ لا قدرة تكوينه، لا القدرة والمشيئة لإرادته. إنّها ليست كبيرةٌ، إنّها لا تختلف لذلك فإنّ النبيّ يرى نفسه مساويًا للآخرين، أمّا نحن فلا، نحن لأنّنا نرى أنّه صُرف فينا المزيد من السعرات فنحن أرفع! لقد صُرفت في خلقنا مليارات السعرات الحمد لله ما شاء الله... هذه النفس عندما تكون في مقام الأنانيّة والفرعونيّة ترى نفسها أرفع من الجميع، هذا ما نراه، يقول: فليمت الجميع وأحيا أنا، ليمت الجميع وأكون أنا، لتبقى مكانتي وأوضاعي، هؤلاء الملوك لماذا يُقاتلون؟ يقولون لنكُنْ نحن في النهاية، ليمت الناس ونبقى نحن، أمثال داريوش٢ وخشايار٣ ورؤساء الجمهوريّات والسلاطين والأمراء والحكّام وأمثال معاوية وأمثال يزيد الذين جاؤوا، يزيد ماذا يفعل؟ يقول يجب أن يموت ابن النبيّ لأبقى! هكذا، أنا يجب أن أبقى، وليموتوا هم، فليُقتل الجميع، ولو جاء النبي أيضًا فليُقتل، ولو جاء لقتله، غاية الأمر أنّه لم يكن هناك نبيّ فلم تنله أيديهم.
- سورة يس الآية ۸٢
- داريوش الكبير هو الملك الأخميني الثالث حكم من ٥٢۱ ق.م إلى ٤۸٦ ق.م
- ملك فارسي حكم بين ٤۸٥ ق.م - ٤٦٥ ق رغم كونه صغير بين اخوته تم اختياره خلفا لأبيه داريوش الأول.
