
السلوك العقلانيّ والعلاقة مع الأستاذ
شرح (ولا يدع أيّامه باطلاً)
ما هو الأساس الذي يجب أن تبني عليه علاقتك مع النبيّ والوليّ لتثبت بعد وفاته؟ لماذا حصلت قصّة خالد بن الوليد في عهد أبي بكر والمغيرة بن شعبة في عهد عمر؟ لماذا لم ينجح أمام بعض الاختبارات في زمان المرحوم العلاّمة وبعد وفاته إلا بضعة معدودة؟ هل تكفي نورانيّة المجالس وتغيّر الأحوال فيها؟ كيف تعامل تلامذة العلاّمة معه؟ هل معنى الحاجة إلى الأستاذ أنّه لا بدّ أن يوجد بشخصه في كلّ الحالات؟ ما دور الأستاذ في حياة السالك؟ ما هي مصاديق الأستاذ المختلفة في السير والسلوك؟ تجيب هذه المحاضرة عن هذه التساؤلات ضمن سلسلة المحاضرات حول السلوك العقلانيّ في شرح فقرة ولا يدع أيّامه باطلاً من حديث عنوان البصريّ.
السلوك العقلانيّ والعلاقة مع الأستاذ
15حسنًا، فلماذا كلّ هذه العادات والتقاليد؟ إنّها لكي نأتي وبدلاً من أن نجعل هذه الحقيقة في قلوبنا ونفوسنا ثمّ نستفيد من وليّ الله هذا كمعبرٍ وطريقٍ ودليلٍ حوّلناه إلى صنمٍ، وبدلاً من الطاعة توجّهنا إلى أصنام أنفسنا، فهذا السلوك ليس سلوكًا عقلانيًّا، فإذا مات فلا شيء يبقى ليحتفظ به الإنسان.
ما هو الأساس الذي تبني عليه علاقتك مع النبيّ أو الوليّ؟
لقد سمع الكثير من الكلام ولكنّ الاستماع لا يكفي، ذلك القيام النفسي والوجودي الذي يجعل الإنسان في الطريق الصحيح هو المهم، وليس الاستماع فقط، الاستماع يساعد ولكنّ المهمّ هو ما يُجعل أوّلاً، فعندما يريدون أن يبنوا مبنى في البداية يؤسسون أساسًا وهذا هو المهم، والموادّ المستعملة فيه هي المهمّة، هل كان الإسمنت المستعمل فيه جيّدًا أم مغشوشًا؟ هل كان الإسمنت قد مُزج في ظروف مساعدة وبمعايير جيّدة أم لا؟ لأنّ لبقائه أيضًا شروطًا خاصّة، حيث يجب أن يكون الهواء معتدلاً والهواء الحار مضرٌّ، ويجب أن يُترك مدّة ثمانية وعشرين يومًا ـ إن كنت أقول صوابًا فليؤيّد الرفقاء المهندسون كلامي، وإن كنت أقول خطأ فليصححوا ـ فيجب أن تكون هناك ظروفٌ مساعدة، وإذا انتهت الثمانية والعشرون يومًا بتمامها بعدها تصبّ الأعمدة، الآن يصبّونها من اليوم التالي وهذا ليس صحيحًا، لا يبالون هل كانت جيّدة أم لم تكن، بعضهم يضعون التراب وبعضهم يضعون الرمل الأحمر، وبعضهم يضعون الكلس، في العهود السابقة لم يكن هناك إسمنت وكانوا يمزجون الكلس وبعض الموادّ الأخرى وهذه المآذن التي ترونها الآن كلها مبنية من ذلك وتدوم طويلاً.
فالأمر يرتبط بأنّك في زمان النبيّ وولي الله عندما كنت على علاقةٍ معه ما هو الأساس الذي أسّسته لنفسك؟ هذا هو المهم. فحسبما يكون، سيكون البناء الذي عليه، إمّا قابلاً للصمود أم لا بل تأتي ريحٌ أو زلزالٌ فيتحطّم، وبناء آخر لو جاء الزلزال بقوّة عشرة درجات ريختر فإنّه يبقى، لماذا؟ لأنّ الأساس محكمٌ.
لقد رأينا هذا الأمر، لم يبق المرحوم العلامة بيننا مدّةً يسيرة، فكم سنةً بقي بيننا؟ لقد توفّي وكان في الواحدة والسبعين من عمره، وكان على الأقلّ مشغولاً بهذه الأمور منذ الخامسة والثلاثين، فقد تكلّم أربعين سنةً وواقعًا عجيب أن يتكلّم إنسانٌ ما أربعين سنةً ويبيّن الأمور، لقد كنت أقول: لو أنّ إنسانًا جاء إليه شهرين فهذا كافٍ وهو يُدرك بذلك حقيقة الأمر. لقد بيّن أربعين سنةً، خمسًا وثلاثين سنةً، ثلاثين سنةً، سواءٌ كان مستقلاً أو مرتبطًا بأستاذه، بيّن الأمور للناس وفجأةً ترى أنّه بذهابه ذهب كلّ شيء، لماذا؟ لأنّنا لم نكن بعقلنا وبمعاييرنا العقليّة، كنّا مع الحالات، كنّا مع الأساليب، كنّا مع نورانيّته نسير ونشعر بالصفاء، كنّا نشعر بالحال الجيّد مع كلماته الجميلة وتوضيحاته وتفسيراته العذبة، ولكن هل جعلنا لذلك الكلام منذ ذلك الحين مكانًا في أنفسنا أم أّنّنا اكتفينا بالوجد، هل عزمنا أن نكون كما يقول؟! أم أنّه فقط كان دمعنا يجري؟! وننظر إلى ملامحه الملكوتيّة ونستفيد من إفاضاته ويا له من جوٍّ وحال؟! الآن أيضًا نضرب كفًّا على أخرى ونتحسّر أن يا له من زمانٍ مضى ويا لها من مرحلة! ليتها تعود! بأيّهما نحن سرنا؟ هل كان سيرنا عقلانيًّا أم ظاهريًّا آنذاك؟!
