
الهمّة في السير والسلوك
كيف تؤثّر الهمّة في نيل مراتب الكمال؟ وما هو أساس العلاقة مع أولياء الله وما حدودها ومتى تنتهي؟ وما هي المشكلة الأساس في علاقتنا معهم؟ وما أنواع الذين يدخلون في طريق السير والسلوك وما هي مراتب هممهم؟ وما سبب ضعف الهمّة وبرود الشوق بعد مضيّ زمان من الشروع في السير والسلوك؟ كيف كانت همّة المرحوم العلاّمة في علاقته مع السيّد الحدّاد؟ وفي المقابل كيف كان بعض المنتسبين بالتتلمذ لديه يتعاملون معه؟ تعالج هذه المحاضرة هذه الأسئلة وموضوعات أخرى ضمن ذكر بعض النقاط الأساسيّة في السير والسلوك قبل الشروع في بيان معنى التقوى، وذلك ضمن شرح فقرة هذا أول درجة التقى من حديث عنوان البصري.
الهمّة في السير والسلوك
4أو لو فرضنا أنّه أراد أن يقوم بالرياضة التي يقوم بها الشابّ في العشرين من عمره، فإنّه على الفور وبجولةٍ واحدة تنكسر رجله وينقل إلى المستشفى، لا يمكنه ولم يعد عظمه يحتمل تلك الضربة، ولم تعد مفاصله قادرةً على الانعطاف، قلبه لم يعد يحتمل ما كان يقوم به في الشباب في العشرين والخامسة والعشرين، لو ركض قليلاً لزادت دقات قلبه وتوقّفت فجأةً، لا يمكنه، وبما أنّه لا يمكنه، فيجلس في البيت ويصبح زاهدًا، فيقال: كم هو رجلٌ زاهد! كم هو رجلٌ عابد! لا يمكنه، لا قدرة لديه، تغيّرت أحواله، تغيّرت إدراكاته، تغيّرت خصوصياته ومزاجه.
وهكذا هو الحال في الأمور النفسيّة، فقد كان سابقًا ذا حالات ومدركات ولذات، كانت نفسه تميل إلى بعض الأمور وتأنس بها، وهذه النفس بعينها وبواسطة غلبة الهوى والهوس اللذين ألقيا عليه حجابًا وجعلاه في دائرة الأمور النفسيّة، تغيّرت ميولها ولم يعد لها ذلك الميل الذي كان في الشباب، لأنّه يشعر أنّه إذا أراد أن يسير نحو هذه الميول لا يقدر، إذا أراد أن يكون على ذلك السلوك وتلك الطريقة فلن يتمكّن، إذا أراد أن يصل إلى ذلك بهذا اللباس الذي يلبسه في الثلاثين اعترض عليه الناس أن يا له من لباسٍ أنيق! فلكي لا يلفت أنظار الناس عليه أن يبدّل هذا اللباس، عليه أن يحافظ على مقامه الظاهريّ وأن يغيّر أوضاعه الظاهريّة، عليه أن يجعل منزله بنحوٍ يلفت الأنظار، فهذه أمورٌ خطرةٌ يأتي الشيطان بواسطتها إلى الإنسان في نهاية العمر، يأتي بهذه الوسائل لأجل حرف الإنسان، يأتي بهذا النوع من الأمور ويوقع الإنسان في الشراك: إذا سرت بهذه الطريقة ماذا سيقول الناس؟ إذا انتعلت هذا الحذاء، إن كنت بين الناس بهذه الطريقة، إذا خرجت بنفسك ووقفت في فرن الخبز واشتريت الخبز، إذا خرجت بنفسك ووقفت في متجر اللحم واشتريت اللحم، إذا رأى الناس في يدك كيلويّن من الفاكهة والخضار فماذا سيقولون؟ يقولون: عجيب هذا يأكل الفاكهة أيضًا؟!
ـ فماذا يأكل إذن؟ أيأكل التبن؟
فـ "إذا" المتكرّرة هذه تأتي وتجعله في وضعٍ شاء أم أبى يحرم فيه نفسه من النعم التي أباحها الله له ويبعدها عنها، وهذا ليس زهدًا.
