
الهمّة في السير والسلوك
كيف تؤثّر الهمّة في نيل مراتب الكمال؟ وما هو أساس العلاقة مع أولياء الله وما حدودها ومتى تنتهي؟ وما هي المشكلة الأساس في علاقتنا معهم؟ وما أنواع الذين يدخلون في طريق السير والسلوك وما هي مراتب هممهم؟ وما سبب ضعف الهمّة وبرود الشوق بعد مضيّ زمان من الشروع في السير والسلوك؟ كيف كانت همّة المرحوم العلاّمة في علاقته مع السيّد الحدّاد؟ وفي المقابل كيف كان بعض المنتسبين بالتتلمذ لديه يتعاملون معه؟ تعالج هذه المحاضرة هذه الأسئلة وموضوعات أخرى ضمن ذكر بعض النقاط الأساسيّة في السير والسلوك قبل الشروع في بيان معنى التقوى، وذلك ضمن شرح فقرة هذا أول درجة التقى من حديث عنوان البصري.
الهمّة في السير والسلوك
3اختلاف مراتب الجنّة باختلاف مدركات أهلها
ولذلك فإنّ للجنّة أيضًا مراتب مختلفة، تبدأ من المرتبة البسيطة التي هي مرتبة الظاهر والنعم الظاهريّة، وتنتهي بالمراتب التي لا معنى للظاهر فيها، لا معنى للظاهر فيها ولا موضع فيها لما هو موجود في المراتب الدنيا، تلك النعم هي عبارةٌ عن مقام القرب ومقام التجرّد وإفاضة العلوم والأنوار.
اختلاف ملذّات الناس في الدنيا باختلاف مدركاتهم في الأعمار المختلفة
فكما تختلف الأحاسيس واللذّات في هذه الدنيا في الأعمار المختلفة، فما يوجب اللذّة لمن كان في الثانية أو الثالثة من عمره هو الحلوى أو الكرة أو السيّارة التي يدفعها ويأنس بها، دنياه كلّها تُختصر في قطعة السكاكر وتلك الكرة التي يلهو بها، وكلّما كانت ملوّنةً وأجمل وجذّابة أكثر، كانت ألذّ إليه، فالدنيا تتجلى له بهذا، أمّا بالنسبة لمن بلغ الرابعة عشرة والخامسة عشرة فالكرة أيضًا، ولكن لا يهمّه لونها، يهمّه متانتها، وكيفيّة الاستفادة منها لأنّه يريد أن يستخدمها في الرياضة، أمّا ما هو لونها وألوانها المختلفة فلا يهمّه ذلك، هو ينظر كم ستدوم، هل تحتمل ركلة من القدم أم لا؟ هل تؤثّر بها الضربة أم لا؟ لأنّ الضربات أحيانًا تكون شديدةً فهل التفتّم؟ ولكن لا تزال الكرة بالنسبة إلى هذا هي المهمّة وإن كانت بشكلٍ آخر.
فإذا تقدّم العمر، وبلغ الثلاثين والأربعين، لم تعد هذه الكرة ذات قيمةٍ عنده، هناك أمورٌ أخرى يعرفها الحاضرون أفضل منّي إلى أن يصل إلى عمر الستّين والسبعين، حيث تتنحّى كلّ هذه الأمور جانبًا فلا طاقة له على الكرة ولا على غيرها، هناك تأتي الإنسان أمورٌ أخرى، هناك الملذّات هي ملذّات العلاقات، هناك الملذّات هي ملذّات الرئاسة وملذّات الحكم، هناك الملذّات ملذّات الولاية، تلك الملذّات ملذّات الشخصيّة، فبالنسبة إلى ابن السبعين تعتبر الشخصيّة مهمّةً بحيث يضحك من سائر الملذّات التي يبتلى بها النّاس ولا يهتمّ بها أصلاً، لذلك يقال يجب أن لا نلتفت إلى زهد الناس في هذه الأعمار لأنّ وضعه قد تغيّر، لأنّه لم يعد ذاك الذي كان سابقًا، فكما أنّه في عمر العشرين والثلاثين يضحك من السكاكر ورقائق البطاطس التي تعدّ للأطفال، فكذلك وضعه الآن بعد افتقاده لتلك القدرات والغرائز، فلم تعد تهمّه تلك الأمور وتلك الأجواء والوسائل، وليس ذلك مهارةً؛ إنّه عاجزٌ مسكين لا زاهد، فإذا أكل لقمتين زائدتين تقيأهما، لا أنّه يريد أن يأكل ولا يأكل، إذا أكل ثلاث لقيمات ممّا يأكله الآخرون أصابه نزيف في معدته، فإنّما يأكل البطاطس والخبز والجبن لأنّه مجبرٌ، وعمر إذ كان يأكل الخبز والخلّ فلأنّ وضعه قد تغيّر، يريد بالتظاهر بهذا العمل أن يمكّن موقعه الفاسد، ولو كان صادقًا فليأكل في خلافته هذه ما يأكله الآخرون! ما المشكلة؟ إنّ هذا الطعام هو خداعٌ وليس زهدًا.
