
الهمّة في السير والسلوك
كيف تؤثّر الهمّة في نيل مراتب الكمال؟ وما هو أساس العلاقة مع أولياء الله وما حدودها ومتى تنتهي؟ وما هي المشكلة الأساس في علاقتنا معهم؟ وما أنواع الذين يدخلون في طريق السير والسلوك وما هي مراتب هممهم؟ وما سبب ضعف الهمّة وبرود الشوق بعد مضيّ زمان من الشروع في السير والسلوك؟ كيف كانت همّة المرحوم العلاّمة في علاقته مع السيّد الحدّاد؟ وفي المقابل كيف كان بعض المنتسبين بالتتلمذ لديه يتعاملون معه؟ تعالج هذه المحاضرة هذه الأسئلة وموضوعات أخرى ضمن ذكر بعض النقاط الأساسيّة في السير والسلوك قبل الشروع في بيان معنى التقوى، وذلك ضمن شرح فقرة هذا أول درجة التقى من حديث عنوان البصري.
الهمّة في السير والسلوك
18أعتقد أنّ الوقت قد انقضى والساعة تقريبًا الحادية عشرة والنصف فارحمونا قليلاً.
إلى أيّ حدّ كان يعرف المرتبطون بالأعاظم قدر أنفسهم لا قدر الأعاظم؟
هؤلاء الذين كانوا يأتون إلى المرحوم العلامة أو إلى السيّد الحداد، لم يكونوا من الذين لا يعرفون قدرهما، كانوا يعرفون قدرهما. ولكن إلى أيّ حدٍّ كانوا يعرفون قدر أنفسهم هم؟ كم كانوا قد وصلوا إلى قيمة أنفسهم، كم كانوا قد اكتشفوا الجوهرة الباطنية؟ هذا هو المهم. هذا وليّ الله حسنًا، كونه وليًّا للّه لا يعني أنّ الأمر قد انتهى، ما لم يصل الإنسان إلى تهيئة نفسه وهمّته واستعداده وثباته وتخلّيه فإنّ كون هذا وليًّا للّه لا يجدي شيئًا، هو في مكانه وجالسٌ في مكانه لذلك يقال"قلّل من البحث عن الماء ولكن زد الشعور بالعطش" لا تبحث عن الماء، في البداية يجب أن يظهر العطش عند الإنسان، وهو أيضًا يرويه بمقدار عطشه، إن كان العطش شديدًا أعطاه قربةً وإن كان العطش قليلاً أعطاه كوبًا، يقول له: عطشك بهذا الحدّ، طلبك بهذا المقدار، وسِعتُك هكذا.
ما هو السبب في ضعف الهمّة والبرود والتوقّف عن السلوك؟
لذلك فإنّ الكلام الذي سمعه الرفقاء من المرحوم العلامة حين كان يقول: الذين حصلت لهم مشكلةٌ لاحقًا كانت لديهم مشكلة من البداية. هذا هو معناه، فالذي يأتي من البداية لم تكن مشكلته أنّه لا يأتي، ولا أنّه لا يرى هذا عظيمًا ووليًّا. كلا، لكنّ المستوى الذي يعطيه من نفسه لم يكن كافيًا للوصول إلى هذا العظيم، جاء يقول: لنذهب إلى العلامة الطهراني ونستفيد وهو يستفيد أيضًا ـ المسألة المهمّة بالنسبة لنا هي هذه. وهناك مسألة أخرى ومستوى أعلى إن شاء الله في جلسة أخرى ـ ما هي مشكلتنا الآن والتي علينا أن نهتمّ بها هي هذه، فنحن لسنا ممن لا يعتقد بهذا الأمر، فلو لم نكن نعتقد به لما أتينا، فنحن نعتقد به، لا أنّنا لا نعتقد بهذه المدرسة. كلاّ، بل هي صحيحة. ولا أنّنا لا نرجّح هذا المنهج على سائر المناهج التي رأيناها وجرّبناها. كلاّ فقد رأينا هذا وجرّبناه، وكلّ إنسانٍ رأى حسب مستوى فهمه واستعداده وسعته، هذا كلّه صحيح. ونحن نستفيد أيضًا ولكنّ كلامنا في أنّه ما هو السبب الذي يجعلنا نأتي في البداية بحماس ونشاطٍ وشوق وأمثال ذلك حتّى إذا مضت سنةٌ أو سنتان أصابنا البرود شيئًا فشيئًا، ماذا حصل؟ ماذا حصل حتّى صرنا كذلك بدلاً من أن يتضاعف نشاطنا يومًا بعد يوم ويزداد أنسنا وعزمنا وإرادتنا وهمّتنا على الطريق، فأحيانًا يرى الإنسان أنّ هذا جيّدٌ وبعد مضي وقتٍ يسير دون تقدّمٍ، ومع استماع الكلام ومع أنّ فلانًا إنسان جيّد، نجد أنّ الأمر بدأ بالتناقص شيئًا فشيئًا وضعف الشوق وبردت الحرارة فما سبب ذلك؟ لأنّنا لم نمتلك صورةً صحيحةً وإدراكًا كافيًا عن حالنا وموقعنا أمام الطريق.
