
الهمّة في السير والسلوك
كيف تؤثّر الهمّة في نيل مراتب الكمال؟ وما هو أساس العلاقة مع أولياء الله وما حدودها ومتى تنتهي؟ وما هي المشكلة الأساس في علاقتنا معهم؟ وما أنواع الذين يدخلون في طريق السير والسلوك وما هي مراتب هممهم؟ وما سبب ضعف الهمّة وبرود الشوق بعد مضيّ زمان من الشروع في السير والسلوك؟ كيف كانت همّة المرحوم العلاّمة في علاقته مع السيّد الحدّاد؟ وفي المقابل كيف كان بعض المنتسبين بالتتلمذ لديه يتعاملون معه؟ تعالج هذه المحاضرة هذه الأسئلة وموضوعات أخرى ضمن ذكر بعض النقاط الأساسيّة في السير والسلوك قبل الشروع في بيان معنى التقوى، وذلك ضمن شرح فقرة هذا أول درجة التقى من حديث عنوان البصري.
الهمّة في السير والسلوك
17السيّد الحداد عارفٌ والعارف لا يتنازل إلى غير الله، ألم يقل المرحوم العلامة: أنا لا أتنازل إلى غير سلمان، فالعارف لا يتنازل إلى غير الله، يريد أن يجعل الله بدلاً من ذلك، يريد أن يجعل الله فلا يعود لديك علم الغيب ولا طيّ الأرض، وقد ذكرت لكم أني كنت في إحدى الجلسات مع من يمتلكون طيّ الأرض فقلت لهم: لحسن الحظّ أنا لديّ طيّ السماء! فقالوا مثلاً: كم يستغرق الذهاب من هنا إلى مشهد؟ قلت ساعةً وعشر دقائق. فلم يلتفتوا إلى ما أقول. وكانوا من النوابغ ما شاء الله! ثم بعد أن التفتوا طأطؤوا رؤوسهم، قلت: اجمعوا أغراضكم إنّه يأخذ طيّ الأرض منكم ويأخذ علم الغيب ـ ما أقوله لكم أيّها الرفقاء أمورٌ أساسية ـ نأخذ منك الاطلاع على الغيب فإذا جاءك غدًا أحد لا تعود تدرك ماذا يجري في قلبه ولا تعرف ماذا سيجري غدًا، يأخذون منك كلّ شيء وتصبح للتوّ كالآخرين وحينها تستريح، لا أنّ الله لا يعطي ذلك، لو شاء الله لأعطاهم ولكنّه ليس أمرًا لازمًا ولا ضرورة له.
جاءني أحدهم قبل مدّةٍ ولن أذكر اسمه وقال: أنا سأموت وقد بحثت الدنيا كلّها وأمثال هذا الكلام وأريد أن أعطيك أنت وحدك هذا الأمر، فقلت: خذ هذا الأمر معك إلى قبرك فماذا أصنع به أنا؟
ـ لقد بحثت الدنيا كلّها...
قلت: خذه معك إلى قبرك، اجعله في كفنك، فإذا استطعت في وقتٍ من الأوقات أن تمنع به سؤال منكرٍ ونكير فائتني به! فما هذا الكلام؟!
لماذا يريد الإنسان أن يوجد لنفسه السلاسل والأغلال؟ لماذا يريد أن يربط في يديه ورجليه سلاسل وأغلالاً؟ لماذا يسعى لكي يرى شيئًا أو لا يرى؟ لماذا يسعى لكي يرى مشاهدةً أو مكاشفةً أو لا يرى؟ لماذا يسعى إلى المدارس التي تقول هذا وذاك وأنّه ماذا يحصل غدًا وماذا يحصل بعد غد، كلّ هذا هراء يا عزيزي، كلّ هذا هراء. عليك أن تنظر إلى الله فقط، إن أعطاك فبها وإلا فهو أعلم، ألسنا عبيدًا؟ فالسيد قد يجعل في جيب عبده مالاً في وقتٍ من الأوقات وقد لا يجعل، وسواءٌ جعل أم لم يجعل، فهل يصبح هذا العبد مالكًا شرعًا؟! في اللحظة التي وضع فيها السيّد هذا المال وأعطاه يمكنه أن يأخذه ولا يختلف الأمر بسبب النظرة التي ينظرها هذا العبد إلى نفسه والأمور كلّها من هذا النوع، كلّها هكذا.
