
الهمّة في السير والسلوك
كيف تؤثّر الهمّة في نيل مراتب الكمال؟ وما هو أساس العلاقة مع أولياء الله وما حدودها ومتى تنتهي؟ وما هي المشكلة الأساس في علاقتنا معهم؟ وما أنواع الذين يدخلون في طريق السير والسلوك وما هي مراتب هممهم؟ وما سبب ضعف الهمّة وبرود الشوق بعد مضيّ زمان من الشروع في السير والسلوك؟ كيف كانت همّة المرحوم العلاّمة في علاقته مع السيّد الحدّاد؟ وفي المقابل كيف كان بعض المنتسبين بالتتلمذ لديه يتعاملون معه؟ تعالج هذه المحاضرة هذه الأسئلة وموضوعات أخرى ضمن ذكر بعض النقاط الأساسيّة في السير والسلوك قبل الشروع في بيان معنى التقوى، وذلك ضمن شرح فقرة هذا أول درجة التقى من حديث عنوان البصري.
الهمّة في السير والسلوك
14ماذا ينبغي أن نفعل لأجل هذا؟ على الإنسان أن يجعل نفسه بحيث يمكنه أن ينقل إليه تلك الأمور حتّى القطرة الأخيرة والمستوى الأخير، فلو جاء الإنسان وقال له: أنا أسلّمك نفسي بنسبة ثلاثين بالمائة، لما أمكنه أن يعطيه أربعين بالمائة، ولو قال: أنا في خدمتك بنسبة خمسين بالمائة، فهل يمكنه أن يعطيه ستّين بالمائة؟! إنّه يعطي ويعطي حتّى يتناسب العطاء مع الطلب.
والذين كانوا يأتون إلى المرحوم العلامة كانت لهم مراتب مختلفة، كانوا عظامًا وعلماء وعلماء جدًّا أيضًا، ولكن كنت أرى في علاقتي معهم منذ ذلك الحين أنّهم كانوا يأتون إلى المرحوم العلامة كلّ أسبوعٍ ويتحدّثون ويأنسون ويشعرون بالحماس والشوق ويضحكون ويستفيدون ويغادرون بسرورٍ وشغف. ولكن لو نظرت في أعماق قلوبهم لرأيت الكثير من الأشياء يحتفظون بها، لو نظرت إلى أعماق القلب وكيفيّة الكلام وكيفيّة التعاطي لرأيت شيئًا آخر، وذات يومٍ قلت للمرحوم العلامة: هل الأمر هو هكذا؟ فقال: كلا لقد جعل فلانٌ عشرةً بالمائة من وجوده في اختياري، وأنا أعطيه عشرة بالمائة أيضًا. فكلّ هذه السنوات من العلاقة وكلّ هذا الذهاب والإياب وهذا الكلام والصعود والهبوط كان بنسبة عشرة بالمائة فما معنى ذلك؟ يعني أنّ المرحوم العلاّمة في كلامه لم يكن يتكلّم معه أكثر من عشرة بالمائة، فلم يكن يتجاوز الكلام عن نسبة العشرة بالمائة حتّى لا يتزلزل ويخرج عن طوره.
كان أحد هؤلاء من الأعاظم ولا يزال على قيد الحياة الآن، كان رجلاً فاضلاً وتقيًّا ـ طبعا سنتحدّث عن التقوى وقد كان هذا تقيًّا إلى درجة معيّنة وليست التقوى ما كنّا نعتقده إلى الآن وإن شاء الله سنتحدّث عن التقوى في الجلسات القادمة. وأنا عندما أتحدّث عن إنسان أحاول أن لا أبالغ وأغالي، هذا دأبي، لذلك أقول كان تقيًّا إلى حدٍّ ما ـ جاء إليه وكنت حاضرًا في تلك الجلسة الأولى فكان يقبّل باب البيت في طهران وجدرانه أيّام الحكومة السابقة، كان يقبّل الأبواب والجدران وباب الغرفة حتى وصل ـ وكان الفصل شتاءً وكنّا جالسين تحت الكرسي۱ ـ وكان كلامه ومواضيعه في البداية بنحوٍ من الإقبال ولكن هل كان في ذلك الحين مسلّمًا مائة في المائة أم لا؟ بل كان هناك حماسٌ وحركةٌ وحرارة فحسب، كم كانت تلك المسألة جادّة بالنسبة إليه؟ كم ؟ حينها قال المرحوم العلامة: بما أنّك جئت بهذه الطريقة فإنّنا نكشف واحدةً من الستائر، فأخذ يرتجف فجأةً وفرّ، إلى أين ذهب؟ كان في وقتها العلامة الطباطبائي رحمه الله وآخرون، وكان العلامة الطباطبائي معه هكذا لا أنّه يقول له كلّ شيء ـ نعم ربّما كان ذلك الأمر الذي أراد المرحوم العلامة أن يقوله له وذلك المنهج الذي أراد أن يبيّنه له أشدّ قليلاً وكان يريد أن يؤدّبه به ـ لماذا؟ لأنّه لم يرد أن يتخلّى عن أفكاره، لم يرد أن يتعرّى ويخلع قميصه ويقول: أنا لا أملك شيئًا من تلك الأفكار والعلوم والأمور.
- نوع من المدافئ القديمة يجلس الناس حولها ويجعلون أرجلهم تحتها (م)
