
ستّ وصايا للطريق إلى الله
كيف تتجلّى عقلائيّة الدين في الإنفاق وفي تنظيم الحياة؟ وهل جعل الأعاظم كامل وقتهم للنّاس؟ كيف نوفّق بين الزهد وحسن التدبير والإتقان؟ هل يشترط الوصول إلى الكمال في الدنيا؟ هل يكفي التردّد على الأستاذ وكثرة السؤال والرسائل للوصول إلى الكمال؟ هل السلوك بإلقاء المسؤوليّة على الأستاذ وترك العمل؟ هل السلوك بتتبّع عيوب الآخرين أم معالجة ضعف النفس؟ كيف غيّر عهد مالك الأشتر حياة الشيخ محمّد حسين الأصفهاني؟ ما قصّة سفرة رئيس الجمهوريّة الورقيّة؟ تعالج هذه المحاضرة بعض النقاط الضروريّة في السير والسلوك في بيان فقرة هذا أوّل درجة التقى وآية تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوًّا في الأرض ولا فسادًا.
ستّ وصايا للطريق إلى الله
12فالسيد بحر العلوم أيضًا كانت له تلك المكانة من الأمر والنهي، ولكن متى؟ عندما وصل إلى الكمال، والأمر يختلف كثيرًا، فلماذا كان المرحوم العلامة يؤكّد كثيرًا على أنّه إذا شارك الإنسان في أمور الدنيا فإنّه سيهلك حتمًا ما لم يكن قد وصل إلى الكمال أو تكون يده في يد إنسانٍ كامل، لماذا؟ لأجل ذلك. إن كان إنسانًا كاملاً يمكنه أن يحدّد وطبعًا سنبيّن هذا الأمر في الجلسات اللاحقة، أو تكون يده في يد إنسانٍ كامل فيقول له: قم بهذا العمل أو لا تقم به. اذهب إلى هذا المكان وتوقّف هنا، يقول: لقد سرت إلى هذا الموضع وأنشأت الدروس وبذلت الجهود وأسّست الجلسات فهل تقول لي أن أترك هذا؟
ـ كلاّ، تابع إن لم ترد تابع.
هو يقول: توقّف هنا وتابع هنا، أوكل في هذا الأمر وقم بنفسك بهذا، لماذا؟ لأنّ لديه إشرافًا. أمّا الآخرون فلا يقولون ذلك بل يقولون: على الإنسان أن يعمل إلى أقصى حدّ...
جاء رجل إلى المرحوم العلامة وكان طبيبًا، وكانوا قد قالوا له إنّ عليك أن تعمل لأجل الناس وتترك نومك وحياتك لأجل الناس حتّى تزهق روحك، فهكذا كانوا قد لقّنوه. وقال المرحوم العلامة: لو أنّ هذا الإنسان وصل إليّ بعد شهرٍ لكان قد جنّ أو مات، هذا هو كلام أمير المؤمنين، فما معنى أن تعمل دائمًا؟ عليك أن تجعل لنفسك وقتًا، عليك أن تجعل وقتًا لدراسة وضعك وحالك، إذا أراد الإنسان أن يخوض في هذه الأمور فإنّها لا تنتهي، من الذي يضمن أن أتمكّن من حلّ جميع المسائل والمشكلات، فهذه الأمور لا نهاية لها، فإذن من الأفضل أن يعرف الإنسان قيمة نفسه وقدرتها ومطاوعتها واستطاعتها وطاقتها ثمّ يعمل على أساسها.
لقد تنحّى ذلك العالم جانبًا وشيئًا فشيئًا غاص في نفسه وخلوته، أوكل أمور المسجد، جاء غيره وأوكل أمور الناس شيئًا فشيئًا إليه، فهؤلاء الناس يمكنهم أيضًا بالرجوع إلى الآخرين أن يحلّوا أمورهم، وليست المسألة معقّدة إلى حدٍّ تكون قائمةً بي، فقبل أن آتي ماذا كانوا يصنعون؟ فليذهبوا الآن أيضًا ويقوموا بذلك. لم تكن السماء قد وقعت على الأرض قبل أن آتي، نحن نظنّ أنّ السماء ستقع على الأرض إذا ما تنحيّنا، كلا يا عزيزي لو تنحينا فإنّ السماء لن تتنحّى من مكانها ميلميترًا واحدًا. جميع هذه الكواكب السيّارة وغيرها ستبقى على حالها دون أن تتغيّر عن مدارها ميليمترًا إلى هنا أو إلى هناك، نحن نهبط بالسماء على الأرض في خيالنا ونلصق الأرض بالسماء، لو لم نكن نحن، لو لم نتصدّ نحن ...! نحن الذين نقوم بهذا، كلّ ذلك هو في عالم الخيال، كلّ ذلك هو في عالم الوهم.
