
الأبعاد الإيجابيّة في خلق الشيطان
هل يوجد بعد سلبيّ في خلق الشيطان؟ ما هو السرّ في سجود الملائكة لآدم عليه السلام وأفضليّته بالنسبة إليها؟ ما هي طرق إغواء الشيطان للإنسان؟ ما هو دور الشيطان في تفعيل الاختيار الإنسانيّ؟ كيف يعمل الشيطان على إظهار الأمور المكنونة في نفس الإنسان؟ كيف يصير الإنسان من أعوان الشيطان وأعيانه؟ ما هي خصائص الشيطان وجنوده؟ كيف يُمكن للإنسان مواجهة وساوس الشيطان؟ هي أسئلة سعى سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للإجابة عنها في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها تكملةً لبحثه عن فلسفة خلق الشيطان، والحكمة من وجوده في هذا العالم، وعلاقته بسير الإنسان وسلوكه نحو الله تعالى؛ علاوةً على تطرّقه لموضوعات مهمّة أخرى.
الأبعاد الإيجابيّة في خلق الشيطان
26وعليه، فإنّ هؤلاء يريدون موتنا، لا حياتنا، والشيطان يُريد موتنا، وهؤلاء الناس يسعون إلى موتنا الأبديّ؛ وأمّا هذا الموت، فإنّ الإنسان سيُلاقيه غدًا، غاية الأمر أنّ كلّ واحد سيموت بطريقة معيّنة؛ فهؤلاء الناس يُريدون موتنا، وهذه الدنيا تُريد موتنا، وهذه المفاتن والتعلّقات تُريد بأجمعها موتنا؛ فعلينا أن نعلم بهذا الأمر؛ ومن هنا، تقول الآية الكريمة: {مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ}۱؛ أي: جنود الشيطان من الجنّة والناس، حيث تقوم الجنّ بالوسوسة في الباطن، ويأتي الناس، ويوسوسون في الظاهر؛ فيتعاضد كلّ من الظاهر والباطن من أجل القضاء علينا.
لزوم عدم التساهل مع وساوس الشيطان منذ اللحظة الأولى
وعليه، منذ هذه اللحظة، متى ما جاء أحد، وبدأ يتحدّث معنا، لكي يوسوس لنا، فإنّه علينا أن ندقّ ناقوس الخطر، ونعلم أنّ الشيطان قد أتى؛ فما إن يُدعى الإنسان، ويُبعث إليه ببطاقة دعوة: «تعال أيّها السيّد إلى هنا وإلى هناك»، ويعلم أنّ الحضور في ذلك المكان معصية، وأنّ هذا المجلس غير إلهيّ، فإنّه عليه أن يعرف أنّ هذه الدعوة مرسلة من قبل الشيطان؛ فتجد تلك البطاقة جميلة ومكتوبة بخطّ أنيق؛ لأنّ الشيطان هو صاحب الدعوة، فيضعها في ظرف جميل، ويأتي بها إلى هناك.
بعث إليّ أحدهم برسالة استخدم فيها ـ والعياذ بالله تعالى ـ ألقابًا أخجل من ذكرها، فكتبت له في الجواب: إذا استخدمت مرّة أخرى لقبًا واحدًا من هذه الألقاب، فإنّني سأمزّق رسالتك من دون أن أقرأها، وألقي بها في سطل القمامة! فعليك أن تقول: حضرة السيّد المحترم، أو حضرة السيّد الطهراني، والسلام! فما هي حقيقة هذه الرسالة؟ إنّه الشيطان الذي بعثها؛ فمع أنّ فيها برنامجًا عمليًّا، وبيانًا لحكم شرعيّ، لكن، من هو المرسِل؟ فعليك أن تحذر؛ لأنّ الشيطان قد أتى؛
ـ لقد سُررتَ بهذا الأمر، فانظر إلى الألقاب التي منحوك إيّاها، فهي رفيعة جدًّا!
ـ لا، فأنا لست أهلاً لذلك، وماذا عليّ أن أقول، فأنا لا أستحقّ هذه الأمور، لكن ...
ـ لماذا تكذب؟ فأنت أهل لها جدًّا! ومن قال إنّك لا تستحقّها؟ أ فهل تتظاهر بكسر النفس؟ وهل أدركنا الآن مقدار الفاصلة بين الحقّ والباطل؟ فإذا كنتَ تُمدح بالباطل، لماذا تكتفي بالقول: «أنا لست أهلاً لذلك»؟ ولماذا لا تُلقم ذاك حجرًا في فمه؟ ولماذا تكذب وتقول: «أنا لا أستحقّ ذلك»؟ بل تستحقّه كثيرًا! فلماذا تكذب؟ فالجواب بالقول: «أنا لست أهلاً لذلك، وهذه الأمور لا تليق بي أنا»، وأمثال ذلك ...؛ فما هي حقيقة هذه الكلمات أيّها السيّد؟ فقبل أن تقول: «أنا لست أهلاً لذلك»، فإنّ الشيطان يكون قد عشّش في جميع أرجاء وجودك؛ كما أنّ الذي ينطق بهذه العبارة هو الشيطان، ولست أنت، فلا يلتبس عليك الأمر؛ فهو الذي يقول: «أنا لست أهلاً لذلك»، وهو الذي يُبرز التواضع، ويتظاهر بكسر النفس؛ وانتبهوا أيّها الرفقاء، فإنّ هذه المسائل التي أذكرها لكم من أسرار السلوك! فالشيطان هو الذي يُبرز التواضع على لسانك؛ في حين أنّ هذا ليس تواضعًا، بل شرك وكفر؛ وهو الذي يعتذر على لسانك.
- سورة الناس، الآية ٦.
