
الأبعاد الإيجابيّة في خلق الشيطان
هل يوجد بعد سلبيّ في خلق الشيطان؟ ما هو السرّ في سجود الملائكة لآدم عليه السلام وأفضليّته بالنسبة إليها؟ ما هي طرق إغواء الشيطان للإنسان؟ ما هو دور الشيطان في تفعيل الاختيار الإنسانيّ؟ كيف يعمل الشيطان على إظهار الأمور المكنونة في نفس الإنسان؟ كيف يصير الإنسان من أعوان الشيطان وأعيانه؟ ما هي خصائص الشيطان وجنوده؟ كيف يُمكن للإنسان مواجهة وساوس الشيطان؟ هي أسئلة سعى سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للإجابة عنها في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها تكملةً لبحثه عن فلسفة خلق الشيطان، والحكمة من وجوده في هذا العالم، وعلاقته بسير الإنسان وسلوكه نحو الله تعالى؛ علاوةً على تطرّقه لموضوعات مهمّة أخرى.
الأبعاد الإيجابيّة في خلق الشيطان
15ولهذا، فإنّ الأصل والأساس في التربية والسلوك إلى الله تعالى يتمثّل في الاختيار؛ فمتى ما كان هناك اختيار، كان هناك سلوك، ومتى ما فُقد الاختيار، فُقد أيضًا السلوك.
لقد كان المرحوم العلاّمة يقول مرارًا وتكرارًا: إنّ الأمراض والابتلاءات التي يقسمها الله تعالى للناس هي لأجل التخفيف من ثقل ذنوبهم، لكنّها لا تُساهم في كمالهم ورقيّهم؛ وأمّا الذي يُساهم في ذلك، فهو العمل الاختياريّ؛ فالمرض أمر غير اختياريّ، وحينما يأتي فيروس، ويتسلّل إلى أبداننا، فإنّ ذلك يكون عن غير اختيار منّا، وعندما يرد ميكروب إلى جسد الإنسان، فإنّ ذلك يكون عن غير اختيار؛ أجل، يبقى أنّ التحمّل والصبر الذي يُبديه الإنسان تجاه ذلك يعمل على تلطيفه وتطهيره؛ غير أنّ التطهير مختلف عن الرقيّ؛ فالطفل أيضًا طاهر جدًّا ومعصوم، والولد ذو الخمس أو الستّ سنوات معصوم وطاهر جدًّا، لكنّه هل تكامل؟ لا، لم يتكامل بعدُ، بل إنّه يقبع في نفس الدرجة؛ فهل بوسعكم العثور على من هو أطهر من الرضيع الذي خرج للتوّ إلى هذا العالم؟ فهو معصوم، ويعيش في عالم الفناء، ولا يُدرك أيّ شيء؛ فهل يوجد من هو أطهر منه؟ لكن، هل يتوفّر على كمال؟ لا، فهو لم يتكامل بعدُ، ولا زال يقبع في نفس المرتبة؛ وهذا لا توجد فيه أيّة فائدة، ولا تظهر منه أيّة ثمرة؛ فذلك الأمر الذي يحصل عن طريق العمل الاختياريّ هو الذي يُساهم في كمال الإنسان ورقيّه، وإلاّ، لبقي هذا الإنسان متوقّفًا في نفس مرتبته؛ أجل، قد يكون من أصحاب اليمين، ويستقرّ في مرتبة معيّنة؛ وأمّا ذلك التجرّد الذي يُخلّصه من التعلّقات ويوجّهه نحو القرب، فلا يحصل إلاّ من خلال التكليف والاختيار.
وعليه، هل تبيّن لنا الآن من يكون الشيطان؟ الشيطان هو ظاهرة خلقها الله تعالى لكي يصل السالك إلى مقام القرب، لكن، من خلال أيّ طريق؟ عن طريق العكس؛ فهو لا يقول لك: تعال إلى الله، بل يقول لك: تعال، وارتكب هذه المعصية؛ ولا يقول لك: تعال لكي تُصلّي، واحرص على إخلاص النية، بل يقول لك العكس.
