
الأبعاد الإيجابيّة في خلق الشيطان
هل يوجد بعد سلبيّ في خلق الشيطان؟ ما هو السرّ في سجود الملائكة لآدم عليه السلام وأفضليّته بالنسبة إليها؟ ما هي طرق إغواء الشيطان للإنسان؟ ما هو دور الشيطان في تفعيل الاختيار الإنسانيّ؟ كيف يعمل الشيطان على إظهار الأمور المكنونة في نفس الإنسان؟ كيف يصير الإنسان من أعوان الشيطان وأعيانه؟ ما هي خصائص الشيطان وجنوده؟ كيف يُمكن للإنسان مواجهة وساوس الشيطان؟ هي أسئلة سعى سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للإجابة عنها في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها تكملةً لبحثه عن فلسفة خلق الشيطان، والحكمة من وجوده في هذا العالم، وعلاقته بسير الإنسان وسلوكه نحو الله تعالى؛ علاوةً على تطرّقه لموضوعات مهمّة أخرى.
الأبعاد الإيجابيّة في خلق الشيطان
12{وَعِدْهُمْ}؛ عده أنّه إذا قام بالعمل الكذائيّ، فإنّه سيصل إلى المقام الفلانيّ، وإذا أنجز المهمّة الكذائيّة، فإنّه سيحصل على المقدار الفلانيّ من الأموال، وإذا ارتكب هذه الكذبة، فإنّه سيجني المنافع العلاّنية، وإذا اجترح هذا البهتان، فإنّه سيحصل في مقابل ذلك على هذه المسائل، وإذا هتك حرمة فلان، فإنّه ستصير له اليد الطولى؛ فيقوم بمنحه وعودًا كاذبة؛ نظير وعود عمر بن سعد؛ أ فلمن تكن تلك الوعود كاذبة؟! حيث بعث إليه ابن زياد رسالة يعده فيها بحكم الريّ في مقابل ماذا؟ في مقابل قتل ابن رسول الله؛ فهذا هو الوعد الذي وعده به؛ لكن، حينما جاء عنده ليفي له بوعده، قال له: متى وعدتك؟ وعن أيّة رسالة تتحدّث؟ قال له: هذه؛ فأخذها ومزّقها، ثمّ قال له: ماذا تريد منّي الآن؟ وانتهى الأمر؛ فلم يسمح له بالذهاب إلى الريّ كحدّ أقلّ، مع أنّه قتل الإمام عليه السلام، ولم يدعه يقضي هناك ولو شهرين، حتّى لا يُصاب بعقدة، ويكون بوسعه الحكم ولو لمدّة قصيرة؛ فلم ينجح في ذلك ولو لثانية واحدة؛ فهذا الذي يُقال عنه: {وَعِدْهُمْ}.
بعد ذلك، يقول الله تعالى: صحيح أنّني أقول {وَعِدْهُمْ}، لكن، اعلم أيّها الإنسان {وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُورًا}۱؛ فجميع وعوده خداع، وهراء، ولا أصل لها، ولا حقيقة لها، ولا جذور لها؛ فهو يعدك أن تجني المنافع الكذائيّة، لكن، ما إن تصل إليها، حتّى يأتي حضرة عزرائيل مباشرةً لقبض روحك، ويقول لك: «تفضّل معنا»؛ وهو يعدك أنّك إذا قمت بهذا العمل ...، لكنّك لا تعلم بأنّ بلاءً سماويًّا قد يقضي عليك، ولا يدع هذا الماء أن يعبر من حنجرتك كحدّ أقلّ.
قبل فترة وجيزة، حصلت حادثة معيّنة، وكنت على علم بها، حيث توفّي شخص من الأشخاص، فجاء أحدهم، ولجأ إلى بعض الأعمال للاستيلاء على الإرث الذي كان ينبغي أن يصل إلى أحد الأطفال، وقد كان طفلاً لا ملجأ له، لكنّه كان هو الوارث الحقيقيّ؛ فجاء ذلك الفرد، وقام بمعيّة ثلّة من الأصدقاء والأشخاص بالسطو على ذلك الإرث، وكان إرثًا ضخمًا يعود إلى شخص يقطن خارج إيران، وتوفّي هناك. لم يمرّ أسبوع واحد على هذه القضيّة، وإذا بذلك الفرد يُصاب بسكة قلبيّة، ويموت في الطائرة التي كان يستقلّها في سفره إلى الخارج؛ انظروا، فهذا الذي يُقال له: {وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُورًا}؛ فالآن، عليك الرحيل إلى ذلك العالم، ويا ليتك كنت تنعّمت قليلاً بذلك الإرث؛ ولا كلام لنا عن هذه المسألة؛ إذ لا يقتصر الأمر على أنّ ذلك الماء لم يعبر حتّى من حنجرتك، بل إنّهم ينتظرونك هناك، لتتفضّل عندهم، ويُقدّمون لك الخدمة لفترة من الزمان! فهذا هو مصير ذلك الوعد؛ والله تعالى بذاته يقول: أنا الذي قلت للشيطان: عدهم، لكنّني أقول لكم أيضًا: لا تنخدعوا بهذه الوعود؛ فهذه في مقابل تلك!
- سورة الإسراء، الآية ٦٤.
