
الأبعاد الإيجابيّة في خلق الشيطان
هل يوجد بعد سلبيّ في خلق الشيطان؟ ما هو السرّ في سجود الملائكة لآدم عليه السلام وأفضليّته بالنسبة إليها؟ ما هي طرق إغواء الشيطان للإنسان؟ ما هو دور الشيطان في تفعيل الاختيار الإنسانيّ؟ كيف يعمل الشيطان على إظهار الأمور المكنونة في نفس الإنسان؟ كيف يصير الإنسان من أعوان الشيطان وأعيانه؟ ما هي خصائص الشيطان وجنوده؟ كيف يُمكن للإنسان مواجهة وساوس الشيطان؟ هي أسئلة سعى سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للإجابة عنها في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها تكملةً لبحثه عن فلسفة خلق الشيطان، والحكمة من وجوده في هذا العالم، وعلاقته بسير الإنسان وسلوكه نحو الله تعالى؛ علاوةً على تطرّقه لموضوعات مهمّة أخرى.
الأبعاد الإيجابيّة في خلق الشيطان
10ويوجد هنا كلام كثير بخصوص المراد من هذه الثلّة القليلة، ومن يكونون، لكن، يكفي أن أقول للرفقاء إنّ مراد الشيطان منهم الذين وصلوا إلى مقام المخلَصين؛ ولهذا، فإنّه يقول: سألجم حتّى أصحاب اليمين الذين سيدخلون الجنّة؛ لأنّ للجنّة درجات تبدأ من الدرجة الدنيا، وتنتهي بالدرجة العليا؛ فمن هم الذين لا أستطيع لجمهم؟ الذين وصلوا إلى مقام المخلَصين وحسب، حيث نجده يُقسم في القرآن الكريم: {قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ}؛۱ ومن هنا، يتّضح أنّ المراد من {إِلَّا قَلِيلاً} هم المخلَصون؛ فهؤلاء فقط هم الذين لا يُوضع اللجام على أفواههم.
لكن، ما هو تكليفنا في هذه الحالة؟ يقول الله تعالى: لا ضير في ذلك؛ ففي نهاية المطاف، يبقى أنّه بشر، والبشر معرّض للخطأ؛ ولهذا، على الإنسان أن يلجأ شيئًا فشيئًا للمراقبة، فيرفع تدريجيًّا ذلك اللجام عن فمه، إلى أن يتسنّى له الخروج من مرتبة النفس، وغلق النوافذ التي يتسلّل من خلالها الشيطان؛ وفي ذلك الحين، سيشرع هذا الشيطان في التغنّي بأشعار العزاء، ويقطع رجاءه من الإنسان إلى الأبد؛ لكن، ما دمنا لم نصل بعد إلى هذه المرتبة أيّها الرفقاء، فإنّ هذه الآية ستشملنا؛ وحينئذ، فإنّنا أعلم بحالنا؛ لأنّه قال ذلك بنفسه، كما أنّ ذلك مذكور في القرآن الكريم، لا أنّني جئت به من عندي.
فالله تعالى يقول: إن كان الأمر بهذا النحو، {قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُورًا}؛٢ فاخرج من هنا، وستكون جهنّم هي جزاءك وجزاء من اتّبعك؛ وبعد ذلك، نجد أنّ الله تعالى يدلّه على الطريق: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ ...}؛٣ أي: أَثِر قلوبهم تجاه الدنيا، وأزعجها بواسطة ندائك وصوتك ومناجاتك ووسوستك؛ لأنّ {وَاسْتَفْزِزْ} تعني أزعج وزلزل الثبات الذي ينبغي أن يكون للإنسان في مقابلي، ورباطة الجأش التي عليه أن يُبديها تجاه الحقّ، بحيث يغضّ الطرف عن جميع ما سواه، وابدأ في تليين ذلك الاستحكام {بِصَوْتِكَ}؛ فاذهب، واهمس لهم بذلك في آذانهم؛ لكن، ما هو ذلك الصوت؟ فلنترك الحديث عن ذلك الآن!
- سورة ص، الآيتان ۸٢ و۸٣.
- سورة الإسراء، الآية ٦٣.
- سورة الإسراء، الآية ٦٤.
