
الهمّة الأولى وأثرها في مصير السالك
كيف تؤثّر الهمّة الأولى للسالك في مصيره ومرتبته؟ وما هو العمل الأكثر تأثيرًا في تقدّمه؟ وما هو مقدار الهمّة والاهتمام الذي يقتضيه هذا العمل؟ وهل يمكن أن نتصوّر سلوكًا حقيقيًّا بغير همّة واهتمام ومراقبة؟ وما هو مجال هذه المراقبة وهذا الاهتمام وهل هو عدد يسير من الامتحانات يجتازها السالك أم أنّ الامتحانات التي تتطلّب مراقبة واهتمامًا تستوعب كافّة مواقف الحياة؟ وكيف تؤثّر الهمّة على صحّة المزاج السلوكيّ؟ تعالج هذه المحاضرة هذه الأسئلة الأساسيّة وكثيرًا من الأسئلة والمواضيع الفرعيّة ضمن بيان بعض النقاط قبل الخوض في مفهوم التقوى، وذلك في شرح فقرة هذا أوّل درجة التقى من حديث عنوان البصريّ وآية تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوًّا في الأرض... المستشهد بها فيه.
الهمّة الأولى وأثرها في مصير السالك
4يريد أن يوفّق بنحوٍ ما بين جانبين، فمن جهةٍ يريد أن ينفّذ إرادة الله ورضاه في هذه المشيئة وهذه الحركة ليقول له: أرأيت فقد أدّيت. ومن جهةٍ أخرى يريد أن ينتهي الأمر بما لا يضرّ بشخصيّته ومكانته في الواقع، وكما يُقال: بما يحافظ على صورته الخارجيّة وشؤونه، إضافةً إلى رضا الله. فما هي النتيجة؟ النتيجة أنّ الخطوة الأولى إلى السطح والثانية في الهواء، النتيجة هي الجمع بين الأمور المتنافية، فالإنسان يريد أن يهتمّ برضا الله ورضا الله لا مزاح فيه، فأحياناً يكون قاطعاً وأحياناً يكون مرّاً، وأحياناً يكون قاتلاً. وأحياناً ـ وليس أحياناً بل غالباً ـ كلّما اهتمّ الإنسان بشأن نفسه ومقامه قلّ اهتمامه بشأن الآخرين وكرامتهم فأصلاً لا يخطر في ذهنه أنّ هذا العمل الذي يقوم به وهذا الخطأ الذي ارتكبه يريق ماء وجه إنسانٍ آخر، قلّة المبالاة بمسؤوليّتي تريق ماء وجه إنسانٍ آخر، ولكن ما إن يعود الأمر إليه ويأتي دوره هو فإنّه يفعل المستحيل كيلا يُراق ماء وجهه، أفهل هذا سلوك؟! لماذا؟! بماذا تختلف كرامة الآخرين عن كرامة الإنسان؟! بماذا تختلف شؤون الآخرين وشخصيّتهم عن شؤون الإنسان؟ بماذا يفوق الإنسان الآخرين؟! وبماذا يختلف الأمر من وجهة نظرٍ توحيديّة وإلهيّة؟ إن كنت أنت عبداً للّه فالآخرون أيضاً عباد فبماذا تختلف عنهم؟! إن كنت في حالةٍ ما مشكلةٍ وتعرّضت كرامتك للخطر أمام الزملاء والشركاء بسبب نقصٍ ما فماذا يحدث لك؟ وماذا تصنع حتى لا تقع في هذا الخطر؟ كيف تتصرّف؟ تجري ألف مكالمة من الصباح حتّى المساء كي لا تقع في هذه المعضلة ولا يُراق ماء وجهك أمام الآخرين، كي لا يقال إنّ هذا الإنسان عديم المنطق ولا أبالي في تعهّداته، ولكن بمجرّد أن يقع ذلك للآخرين فإنّك تتجاوز عن الأمر بالضحك والمزاح لماذا؟ أفهل هذه مراقبة وتحصيلٌ لرضا الله؟ هذا واحد من الموارد التي يبتلى بها الكثيرون.
معنى أنّ بعض الناس سلاّك وإن لم يطووا الطريق
للمرحوم العلامة عبارةٌ دقيقة جداً فقد كان يقول: بعض الناس هم سلّاكٌ وإن لم يطووا الطريق، وإنّها لكلمةٌ مليئةٌ بالمعاني، فإذا نظرت إلى أعمالهم تجد أنّهم لا يُخلفون وعدهم ولو على قطع رؤوسهم، قال إنّه سيدفع هذا المبلغ في هذا اليوم فلو قُطع رأسه لا يُخلف، قال أشارك في هذا المكان ويشارك، قال أنا أتعهّد بهذا الأمر فيأتي ويعمل، يقول سأقوم بهذا العمل فيقوم به، كان يقول: هؤلاء هم سلّاك وإن لم يسلكوا، يعني هم ليسوا سلاكاً من حيث التسمية، يمكن أن تكون حركاتهم غير مناسبة، يمكن أن تكون ظواهرهم غير لائقة، وحالاتهم غير مناسبة. وهم من وجهة نظر التزمّت الظاهري ـ وسنتحدث عن هذه المسألة لاحقاً إن شاء الله ـ مرفوضون ومن منظار تديّن العوام يمكن أن يكون هؤلاء خارجين عن التديّن، ومن وجهة نظر الفقه الظاهري يمكن أن يكون هؤلاء الناس في أسفل مراتب جهنّم، ولكن ما هو مقام هذا الإنسان من وجهة نظر الواقع والارتباط الحقيقيّ بين الإنسان وربّه، وهذا الأمر لا اطلاع لأحدٍ عليه، العمل الذي يقوم به لا يقوم به ألف مسلمٍ. فمن هو المسلم الآن؟ يقوم بعمل لا يقوم به ألف سالك، فمن هو السالك إذن؟ أفهل صار السلوك مجرّد كلام وانتهى! نحن سلاّك وتلامذة فلان، وفي مدرسة فلان! نقوم بهذا العمل! لا معنى لهذا الكلام.
