
الهمّة الأولى وأثرها في مصير السالك
كيف تؤثّر الهمّة الأولى للسالك في مصيره ومرتبته؟ وما هو العمل الأكثر تأثيرًا في تقدّمه؟ وما هو مقدار الهمّة والاهتمام الذي يقتضيه هذا العمل؟ وهل يمكن أن نتصوّر سلوكًا حقيقيًّا بغير همّة واهتمام ومراقبة؟ وما هو مجال هذه المراقبة وهذا الاهتمام وهل هو عدد يسير من الامتحانات يجتازها السالك أم أنّ الامتحانات التي تتطلّب مراقبة واهتمامًا تستوعب كافّة مواقف الحياة؟ وكيف تؤثّر الهمّة على صحّة المزاج السلوكيّ؟ تعالج هذه المحاضرة هذه الأسئلة الأساسيّة وكثيرًا من الأسئلة والمواضيع الفرعيّة ضمن بيان بعض النقاط قبل الخوض في مفهوم التقوى، وذلك في شرح فقرة هذا أوّل درجة التقى من حديث عنوان البصريّ وآية تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوًّا في الأرض... المستشهد بها فيه.
الهمّة الأولى وأثرها في مصير السالك
18لقد تذكّرت الآن قصّة، فبعد وفاة المرحوم العلامة زرنا أحد العلماء ممن كان قد شارك في مجالس الفاتحة فذكر لنا قصّةً عجيبةً جدّاً وقد كان معه في غرفةٍ واحدةٍ في إحدى المدارس، وكانا في مستوى دراسيّ واحد ولا يزال الآن على قيد الحياة، كان يقول منذ أن جاء السيد محمد حسين حسب تعبيره إلى قم كنّا رفيقين حميمين ، ذهبنا ذات يوم إلى مجلس الشيخ عباس الطهراني ـ والذي كان من العلماء الإلهيين وأهل المراقبة والتهذيب ولكنّه لم يكن من أهل العرفان وكان من أصحاب المكاشفة وأهل المعنويات وأصحاب التزكية، من الذين لا نظير لهم الآن، ولكنّ أهل العرفان وتلك الأمور الرفيعة شيءٌ آخر، كان له درسٌ في الأخلاق ـ فشاركنا في درسه وعندما خرجنا لا زلت أذكر هذه الجملة من السيّد محمد حسين فقد قال لي: يا فلان، أحياناً كنت أشكّ في طريقي، وعندما جئت إلى مجلسه ترك كلامه فيّ أثرًا لن يغادرني إلى آخر عمري.
فهذا هو الذي يقال إنّه صاحب همّة، أي إرادة وعزم وقصد وما دام الأمر كذلك فقد انتهى. هذا هو الطريق، وانتهى الأمر، هذه هي الحقيقة وانتهى الأمر. ولا معنى لأن أنعطف هنا وأنعطف هناك، وأدرس هذا الدرس لأجل هذا وأراعيه، وأقول هذا الكلام حتّى لا يتأذّى ونشارك في هذا المجلس رعايةً لفلان، كلّ هذا الكلام انتهى، انتهى عندما كان في قم وفي النجف وبعد عودته في علاقاته ومجالسه وعندما كان إذا وصل أحدهم وقال شيئاً جعل أمامه قطنةً في أذنه وقال: قولوا ما شئتم فقد أدركت حقيقة الأمر وقد أدركها حتّى آخر عمره، فهنيئاً له.
نسألة الله تعالى أن يوفّقنا في هذه الأشهر الثلاثة لنعمه وبركاته وفيوضاته الخاصّة والعامّة التي يجعلها لأفضل أوليائه، وأن يديم علينا ظلّ وليّ العصر أرواحنا لتراب مقدمه الفداء وأن يجعلنا من المتّبعين الحقيقيين والمنتظرين الواقعيين له، وأن لا يحرمنا في الدنيا من زيارته وفي الآخرة من شفاعته.
اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد.
