
الهمّة الأولى وأثرها في مصير السالك
كيف تؤثّر الهمّة الأولى للسالك في مصيره ومرتبته؟ وما هو العمل الأكثر تأثيرًا في تقدّمه؟ وما هو مقدار الهمّة والاهتمام الذي يقتضيه هذا العمل؟ وهل يمكن أن نتصوّر سلوكًا حقيقيًّا بغير همّة واهتمام ومراقبة؟ وما هو مجال هذه المراقبة وهذا الاهتمام وهل هو عدد يسير من الامتحانات يجتازها السالك أم أنّ الامتحانات التي تتطلّب مراقبة واهتمامًا تستوعب كافّة مواقف الحياة؟ وكيف تؤثّر الهمّة على صحّة المزاج السلوكيّ؟ تعالج هذه المحاضرة هذه الأسئلة الأساسيّة وكثيرًا من الأسئلة والمواضيع الفرعيّة ضمن بيان بعض النقاط قبل الخوض في مفهوم التقوى، وذلك في شرح فقرة هذا أوّل درجة التقى من حديث عنوان البصريّ وآية تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوًّا في الأرض... المستشهد بها فيه.
الهمّة الأولى وأثرها في مصير السالك
15وهناك واجبٌ آخر يسمّى الواجب الكفائي كما لو كان هناك مريضٌ يحتاج إلى مستشفى ففي النهاية يجب أن يأتي طبيبٌ ويعانيه، فإن لم يعاينه هذا يعاينه آخر لا مشكلة في ذلك، أو لو كان هناك ميّتٌ ولا بدّ من دفنه ففي النهاية لا بدّ أن يُدفن وأيّ مسلم يدفنه يكفي، وهذا ما يسمّى واجباً كفائياً، والواجب الكفائي هو الذي لا يكون في ذمّة الإنسان فقط بل يمكن للآخرين أن يؤدّوه أيضاً، فقال السيّد أحمد رحمه الله: إن كان الذهاب إلى جهنّم واجباً كفائيّاً فالحمد للّه من بهم الكفاية ينتظرون في الصفّ ولا يصل الدور إلينا حتّى ندخل جهنّم بسبب هذه المرجعيّة.
قال الإمام الصادق عليه السلام: فرّ من الفتيا فرارك من الأسد. ۱ فالأمر مهمٌّ جداً.
فأيّ همّة يجعل الإنسان لنفسه؟ تلك الهمّة التي يجعلها لنفسه تقتضي أن يفتح الله له باب نعمه، الناس الذين يوفّق إليهم، الأصدقاء الذين يوفّق إليهم، المحيط الذي يواجهه، العمل الذي يصادفه، العلاقات والأمور التي تصادف الإنسان كلّها على أساس تلك الهمّة التي بذلها، وذلك الصدق الذي رآه الله منه، فبحسب ذلك يفتح الله تلك النافذة ويهيّء تلك الظروف ويرفع الموانع ويفتح طريق الإنسان للوصول إلى نقطة "هو" والتبديل والتغيّر، هذا المعنى هو معنى الهمّة.
كيف نعرف صحّة المزاج السلوكيّة؟
فإذن كما أنّ مزاج الإنسان في حالة الاعتدال يقتضي الصحّة، والصحّة تعني الظروف المثلى للإنسان، فالإنسان الصحيح على من يُطلق؟ على من لا ألم عنده، على من لا يشعر بالتعب والاضطراب ـ وأتكلّم عن الصحّة من الناحية الطبيّة ـ فالإنسان الصحيح هو من لا يرى في نفسه ضعفاً عن القيام بالأعمال والوظائف الظاهرية طبعاً بمقدار قدرته، فهذا الإنسان يعدّ صحيحاً من الناحية الطبيّة. فإذا أحسّ الإنسان بألمٍ فهذا يكشف عن مرضٍ والتهابٍ ومشكلةٍ داخليّة، إذا أحسّ الإنسان بضعفٍ فهذا يكشف عن اختلالٍ في معادلات جهاز البدن، فإذا ارتفعت نسبة الدهن أو حمض اليوريك أو السكر ، فهذه الاختلالات تُشعر الإنسان بالألم والفتور والضعف والدوار وألم الرأس والارتخاء في الأعضاء، فهذا إنسانٌ لا يتمتّع بالصحّة.
- بحار الأنوار ج ۱ ص ٢٢٤ ؛ مشكاة الأنوار فى غرر الأخبار، ص ٣٢۸: وَ اهرُب مِنَ الفُتيَا هَرَبَكَ مِنَ الأَسَد.
