
الهمّة الأولى وأثرها في مصير السالك
كيف تؤثّر الهمّة الأولى للسالك في مصيره ومرتبته؟ وما هو العمل الأكثر تأثيرًا في تقدّمه؟ وما هو مقدار الهمّة والاهتمام الذي يقتضيه هذا العمل؟ وهل يمكن أن نتصوّر سلوكًا حقيقيًّا بغير همّة واهتمام ومراقبة؟ وما هو مجال هذه المراقبة وهذا الاهتمام وهل هو عدد يسير من الامتحانات يجتازها السالك أم أنّ الامتحانات التي تتطلّب مراقبة واهتمامًا تستوعب كافّة مواقف الحياة؟ وكيف تؤثّر الهمّة على صحّة المزاج السلوكيّ؟ تعالج هذه المحاضرة هذه الأسئلة الأساسيّة وكثيرًا من الأسئلة والمواضيع الفرعيّة ضمن بيان بعض النقاط قبل الخوض في مفهوم التقوى، وذلك في شرح فقرة هذا أوّل درجة التقى من حديث عنوان البصريّ وآية تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوًّا في الأرض... المستشهد بها فيه.
الهمّة الأولى وأثرها في مصير السالك
13وفي السنّة الماضية اتصل بي أحد الناس بواسطة أحد الرفقاء، وكانت له علاقةٌ مع المرحوم العلامة ولكن لم نكن نراه منذ مدّةٍ، والآن لديه في منزله جلسات ويتردّد عليه الناس ولديّه "دكّانٌ". قال: لقد كان والدكم يهتمّ بنا فقد ذهبت إليه في آواخر عمره في مشهد والتقيت به وقد كان يعاملني بلطف ثم لم ألتق به بعد ذلك، والآن أطلب منكم أن أكون في خدمتكم ومعكم، فقلت له: أولاً قلت العفو أرجو المعذرة ولم يكن مجرّد مجاملة لأنّ أمر المرحوم العلامة لا يرتبط بي أصلاً ـ وقد قلت للرفقاء أني أكون بخدمتهم بمستوى رفيقٍ لهم لا أكثر، أنقل ما سمعته من الأعاظم وغيرهم ومعلوماتي عنهم، ولا شيء أكثر من ذلك، واقعاً لا شيء والله لا شيء وبالله لا شيء، لا أني أريد أن أمازح والأصدقاء يعلمون أني لست من أهل التواضع وأعدّ التواضع في بعض الموارد تملّقاً ونفاقاً، فهذا ليس تواضعاً إنّه نفاق، التواضع هو الذي ينبع من القلب لا أنّه يكون مجرّد ظاهرٍ مزيّن في حين يكون الباطن مختلفاً، فهذا ليس تواضعاً فهذا أمرٌ واضح ـ قال أنا أقول الحقيقة فقلت له: أوقف جلساتك ثمّ تعال إلينا.
قال: لماذا؟
قلت: هكذا ألا تريد؟ أتريد أن أكون في خدمتك أم لا؟ فعندما أقول أوقف جلساتك فلماذا تقول لماذا؟! فإذن أنت تريد أن تحتفظ بها، تحتفظ بها وتحتفظ بها لنفسك وأن يكون لك حسابك الخاص وموقعك وأمرك ونهيك، تريد أن يكون لديك أتباع ومجلس يتردّدون عليه ومائدة و... كلا يا عزيزي أنا أعتذر، وأنا محبٌّ لك أيضاً، ليس لديّ الوقت فاذهب إلى مكانٍ آخر ولا معنى لهذا الكلام.
الحمد للّه لقد وفقني للصداقة مع أصدقاء يشعرون بالألم ويبحثون عن العلاج وأنا أقول ذلك بكلّ فخر، فالذين يبحثون عن العلاج هم مثلي نشترك معاً في الطريق وإن شاء الله يزيد الله من الألم ويوفّقنا لطريق العلاج، فهذه أمورٌ حصلنا عليها ببركة هؤلاء الأعاظم وهذه المدرسة، وطريق الأعاظم. والحمد للّه لا موضع عندنا لهذه الأمور: السيّد فلان وكذا وأن يكون لك سيّد كلا يا عزيزي فالسادة كُثر، اذهب إليهم. وكما يقول المرحوم العلامة: إن كان الذهاب إلى جهنّم واجباً كفائيّاً فهناك من به الكفاية. وقد كان هذا الكلام للسيد أحمد الكربلائي حيث جاؤوا إليه رحمة الله عليه، كلّما ذكرت اسمه تغيّرت حالتي، وفي هذه السفرة الأخيرة التي تشرّفت بها بزيارة العتبات المقدّسة ودعوت لكم ونبت عنكم في الزيارة، عندما كنت جالساً في مسجد السهلة ليلة الأربعاء قبل أسبوعين تقريباً لم أكن أتذكّر إلا السيّد أحمد الكربلائي وهذه القصة التي ذكرها المرحوم العلامة في أول كتاب توحيد علمي وعيني۱ إن لم يكن الرفقاء قد قرأوها فليقرأوها قصةٌ جذّابةٌ جدّاً فهذا هو الذي يقال عنه رجلٌ وحرٌّ. جاؤوا إليه لأجل المرجعيّة، فلم يكن يقبل ولم يكن يسعى إلى طرح رسالةٍ عمليّة ومرجعيّة ولم يكن الورق آنذاك كثيراً كما هو الآن والحمد للّه، لم يكن الوضع سيّئاً وكانت الأمور تسير وقد كانت رسائل المراجع تُحرق في بغداد فقد أحرقوا رسالة الشيخ محمّد حسين الكمباني في مطبخ بغداد، لم يكن هذا الأمر مخالفاً للشرع ولكن لأنّه كان يقول بوحدة الوجود كان مخالفاً للشرع، فإحراق الورق ليس مخالفةً وقد وقع الكثير من ذلك.
- . توحيد علمى و عينى، ص ٢٣.
