
الهمّة الأولى وأثرها في مصير السالك
كيف تؤثّر الهمّة الأولى للسالك في مصيره ومرتبته؟ وما هو العمل الأكثر تأثيرًا في تقدّمه؟ وما هو مقدار الهمّة والاهتمام الذي يقتضيه هذا العمل؟ وهل يمكن أن نتصوّر سلوكًا حقيقيًّا بغير همّة واهتمام ومراقبة؟ وما هو مجال هذه المراقبة وهذا الاهتمام وهل هو عدد يسير من الامتحانات يجتازها السالك أم أنّ الامتحانات التي تتطلّب مراقبة واهتمامًا تستوعب كافّة مواقف الحياة؟ وكيف تؤثّر الهمّة على صحّة المزاج السلوكيّ؟ تعالج هذه المحاضرة هذه الأسئلة الأساسيّة وكثيرًا من الأسئلة والمواضيع الفرعيّة ضمن بيان بعض النقاط قبل الخوض في مفهوم التقوى، وذلك في شرح فقرة هذا أوّل درجة التقى من حديث عنوان البصريّ وآية تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوًّا في الأرض... المستشهد بها فيه.
الهمّة الأولى وأثرها في مصير السالك
11وأنتم الجالسون هنا امتحانكم هو في مدى أخذكم كلامي بجدّية، هذا امتحانكم. أو تعترضوا على هذا الكلام فتقولوا: هذا المورد منه فيه مشكلة، فإمّا أن أجيب وإمّا أن لا يكون لديّ جواب، اكتبوا رسالة حول هذا الكلام واعترضوا، فلا بدّ أن يحلّ الإشكال. فإن كانت هناك مشكلة لم تحلّ علينا أن لا نتابع، فليس شأننا أن نتكلّم ثمّ نمشي، كلاّ، إن لم يكن هناك اعتراض فإذن أنتم لديكم مشكلة، فإمّا أن يكون هناك اعتراض أو سؤال أو أنتم لديكم مشكلة، فإن لم يكن هناك اعتراض فامتحانكم هو مقدار أخذكم الكلام بجدّ واهتمام، فكم تقفون عنده وتلتفتون إليه؟ هل يكفي أن نأتي إلى جلسة الجمعة ونجلس ثمّ نفعل ما يحلو لنا؟! فهنا لدينا امتحان وحينما نخرج من هنا أيضًا لدينا امتحان، ففي النهاية نحن نتكلّم هنا ونطرح أمورًا مع الرفقاء، وهذا الكلام ينبغي أن تكون له نتيجة في الواقع وظهور، فكم هو مقدار هذا الظهور؟ كم هو؟ فهل نتلقّى الكلام الذي نسمعه كما يحلو لنا ونمزجه؟
كيف نمتحن في تلقّي كلام الأولياء؟
سأنقل هذا الأمر، عندما كنت أشارك في جلسة المرحوم العلاّمة التي يتحدّث فيها إلى رفقائه كان من الواضح بشكل دقيق ما هو الهدف من الكلام وما هو الطريق الذي يطويه كلامه وما هو مراده، ولم يكن هذا الأمر خافيًا على أحد، إلا اثنان أو ثلاثة ممّن كان لهم أجواء أخرى ورؤية أخرى بالنسبة إلى كلامه. هم أنفسهم كانوا مغرضين ومرضى، هم أنفسهم كانوا يُعملون ذوقهم الخاص وطريقتهم. فعندما انتهت الجلسة ذهب المرحوم العلاّمة ليجدّد وضوءه ورجع ليصلّي المغرب والعشاء، فرأيت أنّ هؤلاء الثلاثة قالوا: أرأيتم السيّد قال كلامنا نحن. فانظروا حقيقة الأمر. وليّ الله، ولا يتكلّم بكلامين بل بكلامٍ واحد، ولكن ما هي ردّة الفعل في النفوس والقلوب؟ من لم يكن في قلبه غلٌّ ولا غشٌّ يأخذ الكلام كما هو ولا يمزجه ولا يخلطه، لا يمزجه بنفسه ولا يتلاعب.
ما أقوله لكم حقيقةٌ، ما نقوله عن الأعاظم حقيقة، فعندما كنت أنظر إلى المرحوم العلامة وهو أمام أساتذته كنت أرى أنّه لم يكن من أهل التصنّع، لقد فتح النافذة بشكلٍ جيّد وكل ما يأتي منهم يأخذ مكانه، فنافذة النفس هذه مفتوحةٌ على مصراعيها، وكلّ ما يقوله هو يصل، نحن نغلق الباب ونفتحه بمقدار سانتيمترٍ واحدٍ، نغلق هذا المصراع وهذا المصراع وهذا، والرابع أيضاً نفتحه بمقدار سانتيمترٍ واحد، فالكلام الذي يأتي يصطدم بالباب وينعكس، وهذه الانعكاسات التي تحصل لا يظهرها لنا، ثمّ نبدأ بقلب الأمور في أذهاننا، إن كان هذا صحيحاً فما مراده؟ وكيف يصبح الأمر هنا وكيف يصبح هناك؟ يقول هذا، فهو كما قال وانتهى الأمر. قم بهذا العمل وانتهى الأمر، هكذا كان المرحوم العلامة حتّى صار المرحوم العلامة، ولو كان مثلنا يغيّر ويبدّل ثمّ يتصرّف بالكلام [ لما وصل إلى ما صل إليه]. التصرّف الأوّل، ثمّ التصرّف الثاني ثمّ إذا وصل الدور إلى التصرّف الثالث كان الأمر معلوماً كيف سينتهي.
