
آثار الخضوع والتذلّل لغير الله
مع معنى لا تكن عبد غير وقد جعلك الله حرًّا؟ ما آثار الخضوع للآخرين على الخاضع وعلى المستعلي؟ ما الذي صنع من المستكبرين مستكبرين؟ هل نحن مبرؤون من حبّ خضوع الآخرين لنا؟ ماذا نصنع لنتخلّص من ذلك؟ كيف نستقبل شهري ذي القعدة وذي الحجّة؟ تعالج هذه المحاضرة تلك المحاور ضمن شرح آية: تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوًّا في الأرض ولا فسادًا الواردة في حديث عنوان البصري.
آثار الخضوع والتذلّل لغير الله
2أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على سيدنا ونبينا أبي القاسم محمد وعلى أهل بيته الطيّبين الطاهرين
واللعنة على أعدائهم أجمعين
لا يريدون علوًّا في الأرض...
تقدّم أنّ الإمام الصادق عليه السلام قال لعنوان: فهذا أول درجة التقى، قال الله تبارك وتعالى: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوًّا في الأرض ولا فسادًا والعاقبة للمتقين}۱. فهذه الأوامر التي أمرتك بها إذا عملت بها هي أوّل درجة التقوى، يقول الله تعالى في القرآن: تلك الدار الآخرة والنعيم والرضوان الإلهيّ هي للذين لا يبحثون عن العلوّ والترفّع والفساد والتفضّل على الآخرين، ولا يكون كلاً على الآخرين ولا يُلقي بثقله على كواهلهم ويستثمرهم لنفسه ويستعبدهم، والاستعباد يعني جعلهم عبيدًا يُظهرون الذلّة والضراعة أمام غير الله هذا معنى الاستعباد والله تعالى يعدّ الجميع عبادًا له، وأمر أن يكون الناس عبادًا له فقط وأحرارًا أمام الآخرين، يقول أمير المؤمنين عليه السلام وفي روايةٍ أخرى سيّد الشهداء: لا تكن عبد غيرك فقد جعلك الله حرًّا. ٢
ما معنى "لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرًّا"؟ وما أثر الاستعباد على المستعبِد؟
لهذه المسألة بعدان ـ وربّما أكثر ـ فمن وجهة نظر الإنسان بعدان:
البعد الأوّل: هو أنّ هذا الأمر يؤدّي إلى أن يزداد الإنسان الذي تُظهر أمامه الذلّة وتطأطئ رأسك أمامه قوّةً في مقام العلوّ والتكبّر، ويغدو الأمر عنده أكثر اشتباهًا، وأن يغرق أكثر في تلك الحالة من الكبر والتبختر والفرعونيّة والأنانيّة التي هو فيها، ويشعر أكثر بالاستعلاء والكبرياء، فكلّ من جاء إليه يزيد في تكبّره درجةً، ولو ذهب إليه واحدٌ وأراد أن يتكلّم كإنسان فإنّ نفسه لا تحتمل، ولو ذهب إليه واحدٌ وقال له بشكلٍ طبيعيّ يسّر لي عملي هذا قال له اخرج وقِف في الصفّ ولأخّره إلى شهرين، يقبل الذين يُظهرون له الذلّة والمسكنة والخضوع فيسرّ منهم ويبحث عنهم، فإن كان له مكتبٌ أو دارٌ أو مؤسّسةٌ أو مدرسةٌ أو مركز فإنّه يرغب بأن يكون على علاقة بهكذا نوعٍ من الناس، فلو قال له إنسانٌ بشكلٍ طبيعيّ: السلام عليكم كيف حالكم لديّ طلبٌ كهذا. قال له: من أنت؟ وماذا تكون؟ وكيف أتيت؟ ومن الذي أوصلك إلى هنا؟ وماذا تريد أن تقول؟ قل كلامك وامض، اذهب إلى فلان وكلّمه ليس لديّ وقت، لماذا؟ لأنّه جاء يريد أن يكلّمه كما يتكلّم الناس بشكلٍ طبيعيّ، أمّا لو جاء واحدٌ وأظهر أمامه الذلّة ـ وما أقوله لكم إنّما أقوله لأني رأيته بنفسي فقد ذهبت ذات يومٍ إلى مكانٍ وأنا لم أتعلّم أن أطأطئ رأسي أو أتملّق كما يتملّق الآخرون.
- سورة القصص، الآية ۸٣
- . نهج البلاغة، الرسالة ٣۱ إلى الإمام الحسن المجتبى عليه السلام. تحف العقول، ص ۷۷
